أحمد صادق يكتب:مصر تصنع السلام من قلب العاصفة.. كيف أعادت القاهرة صياغة المشهد في غزة وأجبرت العالم على الإنصات؟

بقلم: أحمد صادق رئيس مجلس إدارة جريدة وموقع أصالة وطن
في لحظة تاريخية فارقة، وبعد عامين من الحرب المدمّرة في غزة التي أنهكت البشر والحجر، أعلنت الولايات المتحدة رسميًا التوصل إلى اتفاق مرحلي لوقف إطلاق النار بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، برعاية مصرية خالصة أعادت إلى الأذهان صورة القاهرة كقلب العالم العربي وعقل المنطقة السياسي.
الحدث لم يكن مفاجئًا بقدر ما كان ثمرة لمجهود طويل وصامت قاده الرئيس عبدالفتاح السيسي على مدار الشهور الماضية، في وقتٍ كانت فيه المنطقة تغلي، والمشهد الإقليمي يقترب من الانفجار الكامل. اليوم، الهتاف الذي يملأ مواقع التواصل الاجتماعي في غزة والعالم العربي — “تحيا مصر.. شكراً القاهرة.. شكراً السيسي” — ليس مجرد كلمات، بل اعتراف شعبي عالمي بدور مصر كمهندسة المشهد الشرق أوسطي، وحامية التوازن في زمن فقدت فيه العواصم صوتها.
🔹 من قلب شرم الشيخ.. دبلوماسية الهدوء والعزيمة
بينما كانت العيون تتجه إلى ساحات القتال، كانت القاهرة تبني طريق السلام بصبرٍ وحكمة. استضافت شرم الشيخ جولات تفاوض ماراثونية بين وفود فلسطينية وإسرائيلية وأمريكية، قادها جهاز المخابرات العامة المصري بقيادة اللواء عباس كامل، بإشراف مباشر من الرئيس السيسي، الذي حرص على أن تظل مصر الوسيط النزيه الوحيد القادر على جمع المتخاصمين على طاولة واحدة.
ولأن مصر لا تبحث عن أدوار زائفة أو بطولات إعلامية، جاءت تحركاتها هادئة ومدروسة، بعيدة عن الصخب، لكنها عميقة التأثير، حتى لحظة الإعلان الرسمي عن الاتفاق، الذي وصفه مراقبون بأنه أول اختراق حقيقي لجدار الأزمة منذ اندلاع الحرب.
🔹 السيسي.. قائد يرى أبعد من الحرب
في وقتٍ كانت فيه بعض القوى تسعى لتوسيع رقعة الصراع، كان الرئيس عبدالفتاح السيسي يتحدث بلغة مختلفة: لغة الدولة العاقلة التي تعرف قيمة الإنسان والسلام.
منذ اليوم الأول للحرب، لم تتوقف القاهرة عن إرسال رسائلها الواضحة:
“أمن غزة من أمن مصر، ودماء الفلسطينيين ليست ورقة تفاوض، بل مسؤولية عربية وإنسانية.”
هذا الموقف، الذي بدا للبعض في بدايات الأزمة محاولة مستحيلة لإحداث توازن، أثبت مع مرور الوقت أنه الخيط الوحيد الذي أنقذ المنطقة من الانفجار.
لم يكن السيسي يتحدث فقط عن هدنة مؤقتة، بل عن رؤية استراتيجية لإعادة صياغة العلاقة بين غزة والعالم، من خلال وقف النار، وتبادل الأسرى، وفتح الطريق أمام حل إنساني وسياسي شامل.
🔹 هتاف الفلسطينيين.. شهادة من الميدان
المفارقة المدهشة أن الاحتفاء المصري لم يبدأ من القاهرة، بل من غزة نفسها.
مواقع التواصل الاجتماعي امتلأت خلال الساعات الماضية بوسوم مثل
شكراًمصر و#تحياالسيسي و#المعبرمنذهب،
حيث تداول آلاف الفلسطينيين مقاطع لهتافات جماعية في الشوارع والأزقة، وهم يرددون:
“يا مصر.. أنتي الأمان بعد النيران.”
هذا المشهد العفوي لم يكن مدفوعًا بتوجيه سياسي، بل كان تعبيرًا صادقًا عن امتنان شعبٍ لمس دولة اختارت الإنسانية قبل المصالح.
لقد رأى الفلسطينيون على الأرض ما تعنيه القاهرة حين تقول: “لن نترك غزة وحدها.”
🔹 القاهرة.. العقل الذي يوازن الشرق الأوسط
لم تكن مهمة مصر سهلة. فالمعادلة معقّدة للغاية:
عدو تقليدي يمتلك آلة عسكرية جبارة.
فصائل فلسطينية متباينة الرؤى.
ومجتمع دولي متردد يخشى مواجهة الحقيقة.
ومع ذلك، استطاعت مصر أن تتحرك بذكاء سياسي غير مسبوق، فجمعت بين الصرامة في المفاوضات والمرونة في الحلول، لتفرض صيغة مصرية خالصة للسلام المرحلي.
هذا الدور يعيد القاهرة إلى موقعها الطبيعي كـ “مركز ثقل إقليمي” لا يمكن لأي اتفاق أن ينجح من دون بصمتها.
🔹 الإنسان أولاً.. رؤية مصر الجديدة
لم يكن الملف الأمني وحده في حسابات القيادة المصرية، بل الملف الإنساني كان على رأس الأولويات.
منذ بداية الحرب، فتحت مصر معبر رفح أمام المصابين والجرحى، وقدّمت المساعدات الغذائية والطبية رغم المخاطر، لتؤكد أن الإنسان العربي هو جوهر الرسالة المصرية.
وفي خطاب سابق للرئيس السيسي، قال جملة اختصرت فلسفة الموقف المصري:
“قضية فلسطين هي قضية وعي وإنسان قبل أن تكون قضية سياسة وحدود.”
هذه الجملة اليوم تُترجم على الأرض، في اتفاق وقف إطلاق النار الذي يحمل توقيع القاهرة، لتصبح مصر الضمير الذي حافظ على إنسانية العالم في زمن الحرب.
🔹 العالم يُنصت من جديد
اللافت أن العواصم الغربية التي طالما حاولت تهميش الدور المصري، بدأت اليوم تتحدث بلغة مختلفة.
البيت الأبيض وصف القاهرة بأنها “الشريك المحوري في صنع السلام”،
فيما أشادت الأمم المتحدة بـ”الجهود المصرية الاستثنائية لاحتواء الكارثة الإنسانية”.
أما في الشارع العربي، فقد عاد الأمل في أن مصر لا تزال قادرة على أن تقود لا أن تُقاد.
🔹 الختام.. مصر التي لا تغيب
حين تهتف غزة لمصر، فالأمر يتجاوز العرفان، إنه تاريخ يعيد نفسه.
من أكتوبر 1973 إلى أكتوبر 2025، تبقى القاهرة صوت العروبة وضمير المنطقة.
ولأن القيادة ليست بالصدفة، فإن التاريخ سيسجل أن عبدالفتاح السيسي،
في لحظة كان فيها العالم على حافة الجنون، اختار طريق السلام بعقل الدولة وثبات القائد.
سلام مصر اليوم ليس مجرد وقف نار، بل رسالة بقاء للأمة كلها:
“في زمنٍ يتنازع فيه الكبار على الخراب، تبقى مصر وحدها تصنع الحياة.”



