مقالات

المحسوبية تقتل أحلام الخريجين وتعمق أزمة البطالة

بقلم الكاتب الصحفي أحمد صادق
رئيس مجلس إدارة جريدة وموقع أصالة وطن

لم يعد مشهد الخريجين الباحثين عن عمل مجرد لقطة عابرة في زحام الحياة، بل أصبح واقعًا يوميًا قاسيًا يتكرر بنفس التفاصيل المؤلمة: سنوات من الدراسة، تليها سنوات أطول من الانتظار، وفي النهاية… لا شيء.
قصة خريجة إدارة الأعمال التي كشفت معاناتها مؤخرًا ليست استثناءً، بل هي القاعدة التي يعيشها كثير من الشباب بصمت. سنوات من الاجتهاد والسهر، أحلام كبيرة كانت مرسومة بعناية، ثم اصطدام مفاجئ بجدار صلب اسمه “سوق العمل”، حيث لا تكفي الشهادات، ولا تُقدّر الكفاءة، بل تُحسم الأمور في كثير من الأحيان بمعيار واحد: “من تعرف؟”.
المعادلة المختلة: الكفاءة خارج الحسابات
في دولة يفترض أن يكون التعليم فيها هو طريق النجاة، نجد أنفسنا أمام واقع مختلف تمامًا.
خريجون يمتلكون العلم والمهارة، لكنهم يقفون في طوابير الانتظار، بينما يحصل غيرهم على الفرص بسهولة، فقط لأن لديهم علاقات أو “واسطة”.
هذه ليست مجرد أزمة توظيف، بل أزمة عدالة.
وحين تختل العدالة، يصبح الإحباط هو اللغة السائدة بين الشباب.
السؤال الذي يخيف الجميع
أخطر ما في هذه الأزمة ليس البطالة نفسها، بل ذلك السؤال الذي بدأ يتردد بقوة:
“لماذا نتعلم إذا كانت النتيجة محسومة سلفًا؟”
هذا السؤال وحده كفيل بهدم أي منظومة تعليمية، لأنه ببساطة يقتل الدافع من جذوره.
فالشاب الذي يفقد إيمانه بأن جهده سيُكافأ، لن يستمر في المحاولة بنفس الحماس، وربما يتوقف تمامًا.
من الإحباط إلى الانفجار الصامت
الإحباط لا يتوقف عند حدود الفرد، بل يمتد ليصيب المجتمع كله.
يتحول إلى طاقة سلبية، إلى غضب مكتوم، إلى رغبة في الهروب… أو حتى انسحاب كامل من الحياة العملية.
ومع الوقت، ندفع جميعًا ثمن هذا الخلل:
عقول معطلة
كفاءات مهاجرة
ثقة مفقودة
مجتمع يفقد تدريجيًا قدرته على التقدم
المحسوبية… الخطر الذي لا نراه
قد يظن البعض أن “الواسطة” مجرد تسهيل للأمور، لكنها في الحقيقة أخطر من ذلك بكثير.
هي نظام موازٍ يهدم أي محاولة للإصلاح، لأنها ببساطة تُقصي الأكفأ وتُقدّم الأقل استحقاقًا.
والنتيجة؟
مؤسسات ضعيفة… وأداء متراجع… ومستقبل مهدد.
الحل ليس مستحيلًا
ما يطلبه الشباب اليوم ليس رفاهية، ولا مطالب تعجيزية.
المطلوب واضح وبسيط:
عدالة + شفافية + تكافؤ فرص
إعلان وظائف بشكل واضح
معايير اختيار معلنة
رقابة حقيقية على التعيينات
هذه ليست شعارات، بل أساس أي دولة تريد أن تنهض.
رسالة لا تحتمل التأجيل
قصة هذه الخريجة ليست مجرد شكوى، بل جرس إنذار.
إن تجاهل هذه الرسائل يعني ببساطة أننا نؤجل أزمة أكبر، قد يكون ثمنها باهظًا في المستقبل.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع…
هو أن يفقد شبابه الأمل.
الخلاصة: إنقاذ ما يمكن إنقاذه
نحن لا نحتاج إلى مزيد من الوعود، بل إلى خطوات حقيقية تعيد الثقة المفقودة.
فالشباب لا يريدون معجزات… بل يريدون فرصة عادلة فقط.
فرصة تثبت أن هذا الوطن لا يزال يؤمن بالكفاءة،
وأن الطريق إلى النجاح… لا يمر عبر “المحسوبية”.

أقرا أيضا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com