مقالات

النيل ليس ورقة ضغط.. إثيوبيا أمام اختبار القانون والمنطق

هناك تصريحات تمر مرور الكرام، وتصريحات أخرى تستحق أن نتوقف أمامها طويلا، ليس لأنها مجرد كلمات قيلت في مؤتمر أو مقابلة، وإنما لأنها تحمل في طياتها رسائل تتجاوز حدود التصريحات السياسية إلى ملفات تمس حياة الشعوب ومستقبلها.

ومن هذا النوع جاءت التصريحات المنسوبة إلى وزير المياه والطاقة الإثيوبي بشأن سعي بلاده إلى السيطرة على تدفقات مياه النيل إلى دول المصب، بالتزامن مع الحديث عن المضي في إنشاء سدود جديدة على النيل الأزرق. وهي تصريحات أثارت ردود فعل مصرية واسعة، بعدما اعتبرها مسؤول مصري نهجا أحاديا ومحاولة لفرض أمر واقع على نهر دولي مشترك.

وهنا لا أتحدث عن خلاف سياسي عابر بين دولتين، ولا عن مباراة إعلامية يمكن أن تنتهي بتصريح وتصريح مضاد، وإنما أتحدث عن مياه النيل؛ ذلك النهر الذي ارتبطت به حياة المصريين على مدار آلاف السنين، وأصبح الأمن المائي بالنسبة لمصر قضية وجودية لا تحتمل المزايدات أو المغامرات.

عندما تتحول المياه إلى ورقة سياسية

المشكلة الحقيقية ليست في أن تسعى دولة إلى التنمية أو إنتاج الكهرباء أو استغلال مواردها الطبيعية، فهذا حق مشروع لكل دولة.

لكن السؤال الذي يجب أن يطرح نفسه هو: أين تنتهي حقوق دولة المنبع وتبدأ حقوق دول المصب؟

نهر النيل ليس نهرا محليا داخل حدود دولة واحدة، وإنما مورد مائي عابر للحدود، وأي إجراء يؤثر بصورة جوهرية على تدفقاته لا يمكن التعامل معه باعتباره شأنا داخليا خالصا.

ولهذا فإن الحديث عن “السيطرة” على تدفقات المياه يثير قلقا مشروعا، لأن المياه ليست سلعة يمكن استخدامها كورقة ضغط في العلاقات الدولية، ولا يجوز أن تتحول الجغرافيا إلى وسيلة لفرض الإرادة السياسية على الآخرين.

وقد جاءت التصريحات المصرية الأخيرة واضحة في رفض النهج الأحادي، والتأكيد على أن القاهرة لن تقبل فرض واقع جديد على نهر النيل يضر بمصالح دولتي المصب.

مصر لا تبحث عن أزمة.. لكنها لن تتجاهل الخطر

ومن الخطأ أن يفسر أي موقف مصري حازم باعتباره رغبة في التصعيد.

مصر، في تقديري، لا تحتاج إلى أزمة جديدة في المنطقة، ولا تحتاج إلى الدخول في صراعات مفتوحة، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع أن تتعامل مع ملف المياه باعتباره ملفا عاديا.

فالمياه بالنسبة للمواطن المصري ليست قضية سياسية بعيدة عن حياته اليومية؛ إنها الزراعة والغذاء والصناعة والشرب والاستقرار.

ولهذا فإن حماية الحقوق المائية ليست مسؤولية حكومة أو وزارة بعينها، وإنما قضية دولة ومجتمع ومستقبل أجيال كاملة.

والرسالة الأهم هنا يجب أن تكون واضحة: التفاوض والتعاون هما الطريق الطبيعي، أما فرض الأمر الواقع فلن يصنع استقرارا دائما.

سدود جديدة.. أسئلة أكبر من مجرد بناء منشآت

الحديث عن إنشاء ثلاثة سدود جديدة على النيل الأزرق يزيد من حساسية المشهد، خصوصا مع ما يثار حول قدرة هذه المشروعات على منح إثيوبيا نفوذا أكبر في إدارة تدفقات المياه.

وتشير تقارير إلى أن المشروعات المطروحة تشمل سدود “ماندويا” و”كرادوبي” و”بيكو آبو”، وهو ما يثير تساؤلات عديدة حول مستقبل إدارة مياه النيل الأزرق.

وهنا يجب أن نكون دقيقين: بناء السد في حد ذاته ليس جريمة ولا المشكلة في السد كمنشأة، وإنما القضية تتعلق بطريقة تشغيله، وحجم التخزين، وتوقيت الملء، وآليات تبادل المعلومات، وتأثير ذلك كله على دول المصب.

وهذه هي النقطة التي يجب أن تكون محور أي تفاوض جاد.

مصر أمام العالم.. والقانون الدولي هو الفيصل

لا ينبغي أن تتحول القضية إلى سجال عاطفي فقط.

مصر لديها مصلحة في أن تضع الأزمة داخل إطار القانون الدولي، وأن تواصل التحرك السياسي والدبلوماسي، وأن تشرح للمجتمع الدولي خطورة أي إجراءات أحادية يمكن أن تؤثر على حقوق دول المصب.

وفي الوقت نفسه، فإن الحفاظ على الهدوء لا يعني التنازل عن الحقوق.

هناك فارق كبير بين الدبلوماسية الهادئة والدبلوماسية الضعيفة.

مصر تستطيع أن تكون هادئة، لكنها في الوقت نفسه واضحة في خطوطها الحمراء، وتستطيع أن تفاوض دون أن تتنازل، وأن تبحث عن الحلول دون أن تقبل فرض الأمر الواقع.

السودان أيضا في قلب المعادلة

ومن المهم ألا ننظر إلى الأزمة باعتبارها مواجهة مصرية إثيوبية فقط.

السودان أيضا دولة مصب ومتأثر بصورة مباشرة بما يحدث في النيل الأزرق، ولذلك فإن أي تغييرات كبيرة في إدارة النهر يجب أن تكون محل تشاور بين الدول المعنية.

وتشير تصريحات نقلتها وسائل إعلام إلى أن مسؤولين سودانيين ينظرون بقلق إلى مسألة التحكم في تدفقات النيل الأزرق، باعتبارها قضية تتجاوز الحدود الثنائية وتلامس الأمن المائي الإقليمي.

وهذا يعني أن الحل الحقيقي لا يمكن أن يكون بإرادة دولة واحدة.

رسالتي إلى كل من يتابع هذا الملف

نحن أمام قضية تحتاج إلى عقل لا إلى انفعال.

لا نريد أن تتحول التصريحات إلى وقود لصراع شعبي بين المصريين والإثيوبيين، فالشعوب ليست هي صاحبة القرار في الملفات السياسية المعقدة.

وفي المقابل، لا يجب أن نتعامل مع التصريحات الخطيرة وكأنها مجرد “كلام إعلامي”.

هناك فرق بين احترام حق إثيوبيا في التنمية، وبين قبول احتكار التحكم في مورد مائي مشترك.

وهناك فرق بين بناء منشآت لتوليد الكهرباء، وبين استخدام هذه المنشآت لفرض إرادة سياسية على دول أخرى.

والفرق بين الأمرين هو الالتزام بالقانون الدولي ومبادئ التعاون وعدم الإضرار بالآخرين.

كلمة أخيرة

النيل لم يكن يوما ملكا لحكومة أو وزير أو نظام سياسي.

النيل تاريخ وحياة وحضارة، ومياهه حق ومصلحة مشتركة لدول وشعوب ارتبط وجودها بهذا النهر.

ولهذا فإن أي محاولة لتحويل مياه النيل إلى أداة للضغط السياسي ستفتح أبوابا من التوتر لا يحتاجها أحد.

أما مصر، فعليها أن تستمر في التحرك بكل أدوات الدولة، وأن تجمع بين الدبلوماسية والقانون والعلاقات الدولية، وأن تطور في الوقت نفسه قدراتها في إدارة المياه وتعظيم الاستفادة من كل قطرة.

فالرسالة التي يجب أن تصل للجميع ليست رسالة تهديد، وإنما رسالة واضحة: التنمية حق، لكن الإضرار بالآخرين ليس حقا. والتعاون هو الطريق، أما فرض الأمر الواقع فلن يكون حلا.

أقرا أيضا

. من «كرتونة النجاح» إلى مقعد البرلمان.. هل يستحق نواب أسيوط ثقة الناس؟

أحمد صادق يكتب | مصر.. الدولة التي لا تهتز أمام العواصف

أحمد صادق يكتب: بعد مشادة نواب أسيوط.. هل حان وقت فحص الذمم المالية للنواب وذويهم؟



مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى