أحمد صادق يكتب: «الست موناليزا» تثير الجدل حول صناعة النجومية في الدراما المصرية بين منطق السوق والنقد الفني

بقلم أحمد صادق رئيس مجلس إدارة جريدة وموقع أصالة وطن
في السنوات الأخيرة شهدت الدراما المصرية تحولات ملحوظة في أسلوب الإنتاج وطبيعة صناعة النجومية، حيث لم تعد المعادلة الفنية كما كانت في الماضي قائمة فقط على قوة النص أو براعة الممثل، بل أصبح السوق الإنتاجي عاملاً مؤثراً في تحديد شكل العمل الدرامي ومساره. وفي خضم هذه التحولات يبرز مسلسل «الست موناليزا» كواحد من الأعمال التي أثارت نقاشاً واسعاً بين النقاد والجمهور، ليس فقط بسبب أحداثه أو أداء أبطاله، بل لأنه فتح باباً أكبر للنقاش حول طبيعة النجومية في الدراما المصرية، وهل تُصنع من النص أم تُفرض عليه.

هذا الجدل لا يتعلق بعمل واحد بقدر ما يعكس حالة عامة في الصناعة الدرامية، حيث أصبح اسم النجم في كثير من الأحيان نقطة البداية لأي مشروع فني. فالشركات المنتجة تميل إلى الاعتماد على الأسماء القادرة على جذب الجمهور منذ الحلقة الأولى، وهو أمر مفهوم من الناحية التسويقية، لكنه يثير في المقابل تساؤلات فنية مهمة حول تأثير هذا الاتجاه على جودة النصوص وتنوع الشخصيات داخل العمل.
النقد الفني الحقيقي لا يقوم على المجاملة أو الهجوم الشخصي، بل على قراءة التجربة في سياقها الكامل. وعند النظر إلى بعض الأعمال التي تُبنى حول نجم واحد، نلاحظ أن البناء الدرامي في كثير من الأحيان يتحرك من مركز واحد، بحيث تصبح الشخصية الرئيسية هي المحور الذي تدور حوله كل الأحداث والتفاصيل. هذا النموذج قد يحقق نجاحاً جماهيرياً كبيراً، لكنه يطرح سؤالاً فنياً مهماً: هل يتيح هذا الأسلوب مساحة كافية لتطور الشخصيات الأخرى داخل العمل، أم أنه يحصرها في أدوار ثانوية وظيفتها الأساسية دعم البطل؟
تاريخ الدراما المصرية يقدم لنا نماذج مختلفة من هذه المعادلة. ففي فترات سابقة كان النص هو البطل الحقيقي، وكانت قوة العمل تقاس بمدى تماسك السيناريو وتعقيد الشخصيات. ثم جاءت مرحلة لاحقة تعزز فيها حضور النجم بشكل أكبر، لكن ظل هناك نوع من التوازن بين النص والممثل. أما اليوم، فيبدو أن بعض الأعمال تميل إلى تقديم النجم باعتباره نقطة الانطلاق الأولى، ثم يُصاغ العمل الدرامي لاحقاً بما يخدم حضوره ومساحته على الشاشة.

هذا التحول لا يمكن اعتباره سلبياً بشكل مطلق، فوجود نجم قوي قد يمنح العمل زخماً جماهيرياً كبيراً، ويساعد على تسويقه محلياً وعربياً. لكن المشكلة تظهر حين يتحول هذا الأسلوب إلى قاعدة ثابتة لا تقبل الاستثناء، وحين يصبح النص مجرد أداة لخدمة حضور النجم بدلاً من أن يكون إطاراً فنياً متكاملاً يتيح لكل الشخصيات فرصة التطور.
وفي حالة مسلسل «الست موناليزا»، أثار بعض المتابعين ملاحظات تتعلق بأسلوب الأداء التمثيلي، خاصة فيما يتعلق بالاعتماد على الانفعال المرتفع في عدد من المشاهد. فالانفعال عنصر أساسي في التمثيل، لكنه ليس العنصر الوحيد. الممثل المحترف يمتلك مجموعة واسعة من الأدوات التعبيرية، مثل الصمت المدروس، ونظرة العين، وتغيير نبرة الصوت، والإيقاع الداخلي للشخصية. هذه التفاصيل الصغيرة قد تكون في بعض الأحيان أكثر تأثيراً من لحظة صراخ أو بكاء.

وعندما يعتمد الأداء على مستوى واحد تقريباً من الشدة والانفعال، قد يفقد تأثيره تدريجياً لدى المشاهد، الذي يتعود على هذا النمط ويصبح قادراً على توقعه. وهنا تظهر أهمية التنوع في الأداء التمثيلي، لأن قوة الممثل الحقيقية لا تكمن فقط في قدرته على التعبير عن الانفعال، بل في قدرته على التحكم في درجات هذا الانفعال وتوظيفه درامياً.
من زاوية أخرى، يرى بعض النقاد أن عدداً من الأعمال الحديثة يميل إلى تقديم الشخصية الرئيسية في صورة الضحية منذ البداية، ثم تتحول هذه الشخصية تدريجياً إلى شخصية قوية ومنتصرة. هذا المسار الدرامي قد يكون ناجحاً من الناحية الجماهيرية لأنه يثير التعاطف ويخلق ارتباطاً سريعاً بين المشاهد والبطل، لكنه يصبح متكرراً إذا لم يتم تقديمه من خلال كتابة عميقة تكشف عن تعقيدات داخلية حقيقية للشخصية.
الشخصيات القوية في الدراما ليست تلك التي تنتصر دائماً، بل تلك التي تمر بصراعات حقيقية وتواجه لحظات ضعف وتردد. فالتعاطف الحقيقي لا يُفرض على المشاهد، بل يتشكل تدريجياً من خلال رحلة اكتشاف الشخصية وتحولاتها النفسية.

ولا يمكن في هذا السياق تجاهل الدور الكبير الذي يلعبه المناخ الإنتاجي في تشكيل هذه الظاهرة. فالمنافسة الشديدة بين شركات الإنتاج، خاصة في المواسم الدرامية الكبرى مثل شهر رمضان، تدفع المنتجين إلى البحث عن ضمانات سريعة للنجاح. والاسم المعروف يمنح هذه الضمانة إلى حد كبير، لأنه قادر على جذب الإعلانات والجمهور في الوقت نفسه.
لكن الاعتماد المفرط على هذا العامل قد يؤدي إلى تكرار الصيغ الدرامية نفسها في أكثر من عمل، وهو ما يقلل من عنصر المفاجأة ويحد من فرص التجديد الفني. فالدراما بطبيعتها فن قائم على التنوع والتجريب، وكلما تكررت القوالب الجاهزة فقدت قدرتها على إثارة الدهشة لدى المشاهد.
الفن الحقيقي يحتاج دائماً إلى قدر من المخاطرة المحسوبة. والممثل الذي يكرر النوع نفسه من الأدوار قد يحافظ على حضوره الجماهيري لفترة من الوقت، لكنه في المقابل قد يحد من تطور أدواته الفنية. فالتنوع في الأدوار ليس مجرد تجربة جديدة، بل هو وسيلة أساسية لاكتشاف إمكانات الممثل وتوسيع آفاقه الإبداعية.
حين يخرج الفنان من دائرة الأدوار المألوفة، فإنه يضع نفسه أمام تحديات جديدة، ويكشف للجمهور عن جوانب مختلفة من موهبته. أما البقاء داخل المنطقة الآمنة فقد يمنح النجومية استقراراً ظاهرياً، لكنه قد يجعلها عرضة للجمود مع مرور الوقت.
ومن ناحية أخرى، فإن قوة أي عمل درامي لا تعتمد على البطل وحده، بل على تكامل عناصر العمل جميعها. فالنص المتماسك، والإخراج الواعي، والإيقاع المتوازن، وتوزيع الأدوار بشكل عادل بين الشخصيات، كلها عوامل تسهم في صناعة تجربة درامية متكاملة.
وعندما تتحول الشخصيات الأخرى إلى مجرد أدوات لخدمة البطل، يفقد العمل جزءاً من حيويته، لأن الصراع الدرامي الحقيقي يحتاج إلى أطراف متعددة تمتلك دوافع واضحة وحضوراً مستقلاً داخل القصة. فكلما كانت الشخصيات الثانوية قوية ومؤثرة، زادت ثراء التجربة الدرامية وارتفعت قدرتها على جذب الجمهور.
أما الجمهور نفسه فليس مسؤولاً وحده عن اتجاهات الصناعة. فالمشاهد يتفاعل مع ما يُعرض عليه ويتأثر بتنوع الخيارات المتاحة أمامه. وكلما اتسعت مساحة التنوع في الأعمال الدرامية، زادت فرص المقارنة وارتفع مستوى التذوق الفني لدى الجمهور.
لذلك فإن تطوير صناعة الدراما لا يعتمد فقط على النجوم أو المنتجين، بل يتطلب أيضاً دعماً حقيقياً لكتاب السيناريو، لأن النص الجيد هو الأساس الذي تُبنى عليه كل عناصر العمل. الكاتب المبدع قادر على خلق شخصيات مركبة وصراعات درامية عميقة تجعل المشاهد شريكاً في رحلة الاكتشاف.
في النهاية، يبقى مسلسل «الست موناليزا» نموذجاً يفتح باب النقاش حول مستقبل البطولة في الدراما المصرية، وحول العلاقة المعقدة بين النجم والنص، وبين متطلبات السوق وقيمة الفن. فالنجومية في جوهرها ليست هدفاً في حد ذاتها، بل نتيجة طبيعية لتراكم الموهبة والتجارب المتنوعة والاختيارات الفنية الجريئة.
الفنان الحقيقي لا ينمو داخل دائرة مغلقة، بل يتطور عندما يغامر بالخروج منها. والدراما بدورها لا تزدهر بالاعتماد على الصيغ الجاهزة، بل بالتجديد المستمر الذي يحافظ على عنصر المفاجأة ويمنح الجمهور تجربة مختلفة في كل مرة.
وبين منطق السوق ومتطلبات الفن يبقى التحدي الأكبر أمام صناع الدراما المصرية هو كيفية تحقيق التوازن بين النجاح الجماهيري والقيمة الفنية، وكيف يمكن بناء نجومية حقيقية دون أن يتحول العمل الدرامي كله إلى منصة لتأكيد حضور نجم واحد فقط. فالفن في النهاية عمل جماعي، وكلما توازنت عناصره زادت فرص بقائه وتأثيره في ذاكرة الجمهور.
أقرا أيضا

