أسيوط بعد مليارات المشروعات.. أين حق المواطن من التنمية؟
بقلم أحمد صادق رئيس مجلس الإدارة
أسيوط ليست محافظة تفتقر إلى المشروعات، وليست أرضا غابت عنها خطط التنمية، بل على العكس، شهدت خلال السنوات الماضية حجمًا كبيرًا من المشروعات في قطاعات الطرق والصرف الصحي ومياه الشرب والتعليم والصحة والإسكان والبنية الأساسية، إلى جانب مشروعات المبادرة الرئاسية “حياة كريمة”.
لكن السؤال الذي يجب أن يظل مطروحا، وبصوت أعلى من أي وقت مضى، ليس: كم بلغت تكلفة المشروعات؟
السؤال الأهم هو:
ماذا رأى المواطن الأسيوطي على الأرض؟
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
فالمواطن لا يقيس التنمية بعدد البيانات الصحفية، ولا بعدد الاجتماعات، ولا بحجم الاعتمادات المالية، ولا بعدد اللوحات التي تحمل أسماء المشروعات.
المواطن يقيسها من خلال شارع أصبح أفضل، وقرية وصل إليها الصرف الصحي، ومياه شرب مستقرة، وطريق آمن، ووحدة صحية تعمل بكفاءة، ومدرسة تستوعب أبناءه، ومرفق حكومي ينهي معاملته دون عناء، وفرصة عمل تحفظ كرامته.
هذه هي التنمية في عيون المواطن.
أما الأرقام، مهما كانت كبيرة، فإنها تظل أرقاما إذا لم تتحول إلى خدمة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
أسيوط بين الإنجاز المعلن والواقع الملموس
لا يمكن إنكار حجم العمل الذي شهدته المحافظة، كما لا يجوز تجاهل ما تحقق بالفعل.
لكن الإشادة بالإنجاز لا تعني إغلاق باب النقد، والنقد لا يعني إنكار الإنجاز.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الإعلان عن المشروع إلى نهاية القصة، بينما المواطن يرى أن البداية الحقيقية لم تأت بعد.
فالمشروع الذي تم إنشاؤه ولم يدخل الخدمة بكفاءة يحتاج إلى سؤال.
والمشروع الذي دخل الخدمة ولكنه لا يعمل بالطاقة المطلوبة يحتاج إلى سؤال.
والمشروع الذي تم الانتهاء منه بينما الطرق المؤدية إليه تعاني يحتاج إلى سؤال.
والمرفق الذي تم تطويره بينما المواطن ما زال يواجه نفس المشكلة يحتاج أيضا إلى سؤال.
فالنجاح الحقيقي ليس في إنهاء المبنى، وإنما في تشغيله. وليس في افتتاح الطريق، وإنما في أن يصبح أكثر أمانا وكفاءة. وليس في تنفيذ محطة، وإنما في وصول الخدمة إلى المواطن بصورة منتظمة.
حياة كريمة.. الاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء الإنشاء
مبادرة “حياة كريمة” صنعت نقلة مهمة في مفهوم تطوير الريف، وأعادت وضع القرى في قلب خطط الدولة.
لكن المرحلة الأصعب ليست مرحلة الإنشاء.
المرحلة الأصعب هي مرحلة التشغيل والاستدامة.
فالمواطن في القرية لا يريد فقط أن يرى مبنى جديدا، وإنما يريد أن يعرف:
هل الوحدة الصحية تعمل بكفاءة؟
هل الخدمة متاحة بالفعل؟
هل محطة المياه والصرف تعمل بصورة مستقرة؟
هل المركز الخدمي أصبح قادرا على تلبية احتياجات الأهالي؟
هل الطرق التي تم تطويرها تحتاج إلى صيانة؟
هل المشروعات التي أنفقت عليها الدولة مليارات أصبحت جزءا حقيقيا من حياة المواطنين؟
هذه الأسئلة ليست تشكيكا في المشروع، وإنما هي الضمان الحقيقي لنجاحه.
فالمليار جنيه الذي يتحول إلى خدمة مستمرة هو استثمار في الإنسان.
أما المليار الذي ينتهي عند افتتاح المشروع، دون متابعة حقيقية للتشغيل والصيانة، فيجب أن يفتح باب المراجعة والمحاسبة الإدارية والرقابية.
الصرف الصحي.. المواطن لا يريد أن يسمع عن المشروع فقط
من أكثر الملفات التي تمس حياة المواطن بصورة مباشرة ملف الصرف الصحي.
هذا الملف تحديدا لا يحتمل البيانات الطويلة.
المواطن يريد أن يعرف ببساطة:
هل المشكلة انتهت أم لا؟
في القرى والمراكز، قد يكون إنشاء الشبكات والمحطات خطوة ضخمة، لكن النجاح النهائي لا يتحقق إلا عندما تصل الخدمة إلى كل منزل، وتعمل الشبكة بكفاءة، ويتم التعامل مع الأعطال بسرعة، وتصبح الصيانة جزءا دائما من المنظومة.
وهنا يجب أن تكون هناك خريطة واضحة أمام المواطن:
ما القرى التي انتهت مشروعاتها؟
ما المشروعات التي دخلت الخدمة؟
ما المشروعات التي ما زالت تحت التنفيذ؟
ما أسباب التأخير في أي مشروع متعثر؟
ومتى ينتهي كل مشروع؟
هذه ليست رفاهية إعلامية.
هذه حقوق للمواطن في المعرفة والمتابعة.
الطرق.. التنمية لا تكتمل بطريق ينتهي عند حدود المدينة
أسيوط ليست مدينة واحدة.
المحافظة مراكز وقرى ونجوع، والتنمية الحقيقية لا ينبغي أن تتوقف عند حدود المدن الرئيسية.
الطريق بالنسبة للمواطن ليس مجرد أسفلت.
الطريق يعني الوصول إلى المستشفى.
يعني وصول الطالب إلى المدرسة.
يعني وصول سيارة الإسعاف في الوقت المناسب.
يعني نقل المحاصيل.
يعني وصول الموظف إلى عمله.
ويعني في النهاية حركة اقتصادية واجتماعية كاملة.
ولهذا فإن تطوير الطرق يجب أن يرتبط دائما بخطة متكاملة تشمل الإنارة، والرصف، والتهالك، وتصريف مياه الأمطار، وعلامات المرور، ومعدلات الحوادث، وسلامة المشاة.
فلا معنى لطريق جديد إذا ترك المواطن يواجه مخاطر أخرى بعده.
وماذا عن القرى؟
هنا القضية الأكبر.
أسيوط من المحافظات التي تحتاج إلى نظرة مختلفة للتنمية؛ لأن احتياجات القرى ليست واحدة.
قرية تحتاج إلى صرف صحي.
وأخرى تحتاج إلى مياه.
وثالثة تحتاج إلى طريق.
ورابعة تحتاج إلى مدرسة.
وخامسة تعاني من نقص الخدمات الصحية.
وهناك قرى تحتاج إلى أكثر من ذلك كله.
لذلك فإن معيار النجاح لا يجب أن يكون: كم مشروعا نفذنا؟
بل:
كم مشكلة حقيقية انتهت؟
هذه الجملة يجب أن تصبح معيارا دائما لأي تقييم تنموي.
أين دور النواب؟
وهنا نصل إلى ملف لا يمكن تجاهله.
أين نواب أسيوط من كل هذه الملفات؟
النائب ليس دوره فقط حضور المناسبات أو التقاط الصور أو نشر بيانات التهنئة.
النائب الحقيقي هو عين المواطن داخل المؤسسات، وصوته تحت قبة البرلمان، ومتابعته للمشكلات حتى تصل إلى حل.
إذا كانت هناك قرية تعاني من مشكلة صرف صحي، فعلى النائب أن يتابع.
إذا كان طريق يمثل خطرا على الأهالي، فعليه أن يتحرك.
إذا كانت هناك مدرسة تحتاج إلى تطوير، أو وحدة صحية تحتاج إلى دعم، أو خدمة حكومية تعاني من نقص، فعلى النائب أن يضع الملف أمام المسؤولين.
والأهم من ذلك كله:
أن يظل متابعا بعد تقديم الطلب.
لأن المواطن لا يحتاج إلى صورة مع طلب.
المواطن يحتاج إلى نتيجة.
ولا يحتاج إلى بيان يقول “تم التواصل”.
بل يريد أن يعرف:
ماذا حدث بعد التواصل؟
وهنا يجب أن نكون واضحين: النقد لا يعني مهاجمة النواب، وإنما يعني مطالبتهم بالدور الذي اختارهم المواطن من أجله.
المحافظة أيضا تحتاج إلى صوت المواطن
في المقابل، المسؤولية لا تقع على النواب وحدهم.
المواطن نفسه شريك في الرقابة.
الإعلام شريك.
المجتمع المدني شريك.
المجالس المحلية شريك.
والمؤسسات التنفيذية شريك.
كل هؤلاء يجب أن يعملوا في اتجاه واحد:
المشروع الذي أنفقت عليه الدولة أموالا يجب أن يصل إلى أفضل نتيجة ممكنة.
وهنا يأتي دور الإعلام الحقيقي.
الإعلام ليس مهمته فقط نقل افتتاح مشروع.
الإعلام الأهم هو الذي يعود بعد ستة أشهر ويسأل:
هل المشروع يعمل؟
ثم يعود بعد عام ويسأل:
هل الخدمة مستقرة؟
ثم يسأل:
هل المواطن راض عن مستوى الخدمة؟
هذا هو الاختبار الحقيقي للصحافة المحلية.
لا نريد حربا بين الإنجاز والنقد
هناك خطأ يقع فيه البعض عندما يعتقد أن الإشادة بالمشروعات تعني منع النقد.
وهناك خطأ آخر عندما يعتقد البعض أن النقد لا بد أن يكون هجوما.
والحقيقة أن أسيوط تحتاج إلى الاثنين معا:
إشادة بما تم إنجازه.. ومساءلة عما لم يكتمل.
لأن الهدف في النهاية ليس تسجيل انتصار لطرف على طرف.
الهدف أن يحصل المواطن على حقه.
إذا نجح مشروع، نقول إنه نجح.
وإذا تعثر، نسأل عن سبب التعثر.
وإذا تأخر، نسأل عن الموعد الجديد.
وإذا كانت هناك مشكلة في التشغيل، نطالب بحلها.
وإذا كانت هناك ملاحظة على التنفيذ، نطرحها بالمستند والواقعة، لا بالشائعة.
هذه هي المعادلة الصحيحة.
أسيوط تستحق أكثر
أسيوط محافظة كبيرة بتاريخها وموقعها وإمكاناتها وثقلها السكاني، وتستحق أن تكون في مقدمة محافظات الصعيد في التنمية والاستثمار والخدمات.
لكن الوصول إلى ذلك لا يكون فقط بزيادة عدد المشروعات.
بل يحتاج إلى إدارة ما بعد المشروع.
إلى صيانة.
إلى متابعة.
إلى تقييم.
إلى شفافية.
إلى مشاركة مجتمعية.
وإلى مسؤول يعرف أن المشروع لا ينتهي يوم افتتاحه، وإنما يبدأ يوم استخدام المواطن له.
والسؤال الذي لا يجب أن يختفي
بعد كل ما أنفقته الدولة على التنمية في أسيوط، وبعد كل المشروعات التي تم تنفيذها أو يجري استكمالها، يجب أن نطرح السؤال بكل وضوح:
ما الذي دخل الخدمة فعليا؟
وما الذي ما زال ينتظر؟
وما المشروعات التي تحتاج إلى استكمال أو صيانة أو رفع كفاءة؟
وأين المشروعات المتأخرة؟
وما أسباب التأخير؟
ومتى يشعر المواطن في القرية والمدينة بأن التنمية أصبحت جزءا من حياته اليومية؟
هذه الأسئلة ليست ضد الدولة.
بل على العكس تماما.
إنها أسئلة في صالح الدولة والمواطن معا.
لأن المال العام لا يقاس فقط بما تم إنفاقه، وإنما بما تحقق به من قيمة حقيقية للناس.
أسيوط لا تحتاج إلى مزيد من الوعود.. بل إلى كشف حساب تنموي
وأعتقد أن الوقت قد حان لأن يكون هناك كشف حساب تنموي واضح لمحافظة أسيوط.
كشف حساب يعرف منه المواطن:
ماذا تم؟
ماذا يعمل؟
ماذا لم يعمل؟
ماذا تأخر؟
كم بلغت التكلفة؟
ما أسباب التأخير؟
ومن المسؤول عن المتابعة؟
ومتى تنتهي كل مشكلة؟
عندها فقط يمكن أن ننتقل من مرحلة الحديث عن المشروعات إلى مرحلة قياس أثرها.
وهذا هو الفارق بين التنمية على الورق والتنمية التي يعيشها المواطن.
وفي النهاية، لا أحد يختلف على أن أسيوط شهدت مشروعات مهمة، ولا أحد يريد التقليل من حجم الجهد المبذول.
لكن المواطن الأسيوطي يريد أن يرى ثمرة هذا الجهد في حياته.
يريد طريقا آمنا.
ومياها مستقرة.
وصرفا صحيا يعمل.
وخدمة صحية حقيقية.
ومدرسة جيدة.
وقرية نظيفة.
ومركز خدمة يحترم وقته.
وفرصة عمل تفتح أمامه باب المستقبل.
وهنا تكون الرسالة الأهم:
لا يكفي أن نقول للمواطن إن التنمية وصلت إلى أسيوط.. يجب أن نجعله يشعر بها.
فالمواطن هو الحكم الأول على نجاح أي مشروع.
وإذا كانت الدولة قد وضعت ملياراتها في بناء أسيوط الجديدة، فإن المسؤولية الآن هي أن تتحول هذه المليارات إلى حياة أفضل للمواطن الأسيوطي.
أسيوط لا تريد فقط أن ترى المشروعات.. أسيوط تريد أن ترى أثرها.
وهذا هو السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحا:
متى تتحول كل هذه المشروعات من أرقام في التقارير إلى واقع يلمسه المواطن في بيته وشارعه وقريته؟
أقرا أيضا
إنارة طريق أسيوط الجديدة تعمل نهارا وتنطفئ ليلا.. أين المسؤول؟
أحمد صادق يكتب: قضية الشوش بسوهاج ليست ساحة للتريند.. لا تنشروا قبل كلمة التحقيقات
النيل ليس ورقة ضغط.. إثيوبيا أمام اختبار القانون والمنطق

