مقالات

أحمد صادق يكتب: الأكشاك في أسيوط.. ملف شائك بين التنظيم ولقمة العيش ينتظر حسم المحافظ الجديد

الأكشاك في أسيوط

بقلم: أحمد صادق: رئيس مجلس إدارة جريدة وموقع أصالة وطن

في كل محافظة مصرية، هناك ملفات مزمنة تتوارثها الإدارات المحلية جيلاً بعد جيل، لكن قليلًا منها يصل إلى درجة “الملف الساخن” بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وفي أسيوط، يبرز ملف الأكشاك كأحد أكثر القضايا تعقيدًا وتشابكًا، لما يمثله من تماس مباشر بين هيبة الدولة وحق المواطن في الرزق، وبين مقتضيات التنظيم الحضري ومتطلبات العدالة الاجتماعية.
ومع تولي محافظ جديد مهام المسؤولية، تتجدد الآمال في رؤية مختلفة، لا تكتفي بالحلول التقليدية أو القرارات المؤقتة، بل تقدم معالجة شاملة وجذرية تُنهي سنوات من الجدل، وتضع هذا الملف على مسار واضح ومستدام.
الأكشاك بين الواقع والاتهام الجاهز
من السهل، وربما من المريح للبعض، تحميل الأكشاك مسؤولية كل مظاهر الفوضى في الشارع الأسيوطي: إشغال طريق، تشويه للمظهر الحضاري، عرقلة لحركة المرور. لكن السؤال الأهم:
هل الأكشاك هي السبب، أم أنها نتيجة؟
الواقع يقول إن الأكشاك في أسيوط لم تظهر من فراغ، بل نشأت في ظل:
بطالة متزايدة، خاصة بين الشباب.
ارتفاع تكاليف إنشاء المشروعات الصغيرة.
محدودية الفرص الرسمية للعمل الحر المنظم.
تعقيد الإجراءات الإدارية للحصول على تراخيص.
وبينما تحولت الأكشاك إلى “ملاذ أخير” لآلاف الأسر، تحولت في الوقت نفسه إلى مشكلة مزمنة بسبب غياب الرؤية الموحدة، وتضارب القرارات، وتفاوت التطبيق من حي إلى آخر.
قرارات متضاربة.. والضحية واحدة
خلال السنوات الماضية، شهد ملف الأكشاك في أسيوط حالة من عدم الاستقرار:
حملات إزالة مفاجئة دون بدائل واضحة.
تقنين جزئي ثم تجميد للملف.
تراخيص مؤقتة لا تحمي صاحب الكشك ولا تحفظ حق الدولة.
تدخلات فردية واستثناءات تفتح بابًا واسعًا للجدل.
والنتيجة؟
فقدان الثقة بين المواطن والإدارة المحلية، وشعور أصحاب الأكشاك بأنهم دائمًا “تحت التهديد”، مهما التزموا أو دفعوا من رسوم.
البعد الاجتماعي.. لقمة العيش أولًا
لا يمكن تناول ملف الأكشاك بمعزل عن بعده الإنساني. فخلف كل كشك:
أسرة تعتمد عليه كمصدر دخل وحيد.
شاب لم يجد فرصة عمل أخرى.
أرملة أو معيل لأطفال يواجه ظروفًا اقتصادية قاسية.
أي قرار لا يضع هذا البعد في الحسبان، سيكون قرارًا ناقصًا، وربما ظالمًا، حتى لو استند إلى نصوص قانونية. فالدولة القوية ليست فقط التي تفرض النظام، بل التي توازن بين القانون والعدالة الاجتماعية.
التنظيم الحضري.. حق المدينة لا يقل أهمية
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل حق المدينة في:
شوارع منظمة وآمنة.
مظهر حضاري يليق بعاصمة الصعيد.
حركة مرور غير معطلة.
استغلال أمثل للمساحات العامة.
الفوضى ليست حلًا، وترك الأمور بلا ضوابط لا يخدم أحدًا، لا المواطن ولا الدولة. ومن هنا، فإن الحل لا يكمن في الإزالة الشاملة، ولا في التغاضي الكامل، بل في التنظيم الذكي.
المحافظ الجديد.. فرصة لا تحتمل التأجيل
تولي محافظ جديد لمنصبه في أسيوط يمثل لحظة فارقة، وفرصة حقيقية لإغلاق هذا الملف الشائك برؤية مختلفة. رؤية تقوم على:
حصر شامل ودقيق لكل الأكشاك الموجودة فعليًا.
تصنيف الأكشاك (مرخص – غير مرخص – قابل للتقنين – مخالف جسيم).
وضع نموذج موحد للكشك من حيث الشكل والمساحة والموقع.
تحديد أماكن بديلة في الأسواق والمناطق التجارية لمن يتعذر بقاؤهم في مواقعهم الحالية.
آليات تقسيط ورسوم عادلة تراعي البعد الاجتماعي.
حوار مجتمعي حقيقي مع ممثلي أصحاب الأكشاك قبل اتخاذ القرار.
التجارب الناجحة.. لماذا لا نستفيد؟
شهدت محافظات أخرى تجارب ناجحة في تنظيم الأكشاك، عبر:
إنشاء أسواق حضارية بديلة.
توحيد التصميمات.
ربط الترخيص بالالتزام الكامل.
إشراك المجتمع المدني في المتابعة.
هذه التجارب تثبت أن الحل ممكن، وأن التنظيم لا يعني بالضرورة الإقصاء، بل قد يكون بوابة للاستقرار وتحسين الدخل.
كلمة أخيرة
ملف الأكشاك في أسيوط ليس مجرد قضية إشغال طريق، بل اختبار حقيقي لقدرة الإدارة المحلية على:
اتخاذ قرار شجاع.
تبني رؤية متوازنة.
الجمع بين الحزم والإنسانية.
الكرة الآن في ملعب المحافظ الجديد. فإما أن يُغلق هذا الملف برؤية عادلة تُرضي الدولة والمواطن معًا، أو يظل ملفًا مفتوحًا، يتجدد مع كل حملة، ويشتعل مع كل قرار مؤقت.

أقرا أيضا


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى