أحمد صادق يكتب : قصـ ــف قطر يفتح الجــ ـرح: الأمة العربية بين الكرامة والانكسار إذا صمتنا اليوم.. فمن التالي غدًا؟…ومتى يشتعل غضب العرب؟

محتوايات
بقلم: أحمد صادق رئيس مجلس إدارة جريدة أصالة وطن
لم يكن ما حدث من قصف إسرائيلي للأراضي القطرية مجرد اعتداء عابر في سياق مشهد إقليمي متوتر، بل هو إهانة مكتملة الأركان لكرامة أمة كاملة، ومؤشر خطير على حجم الاستهتار الذي وصلت إليه السياسات العدوانية للاحتلال، في ظل صمت دولي مُريب وتراخٍ عربي يفتح الأبواب على مصراعيها لمزيد من الانتهاكات.
القضية ليست مجرد قذائف سقطت على موقع هنا أو منشأة هناك، بل هي رسالة متعمدة أرادت إسرائيل أن توصلها إلى الجميع: “لا حدود لبطشنا، ولا سقف لاعتداءاتنا”. والرسالة وصلت بالفعل، لكنها لم تصل بالمعنى الذي أرادته تل أبيب؛ فقد ولّدت صدمة وغضبًا عارمين لدى الشعوب العربية، التي ترى أن المساس بأي أرض عربية، سواء في قطر أو غيرها، هو مساس مباشر بكرامة الأمة كلها.
قطر: الدولة الصغيرة ذات الحضور الكبير
قطر، على الرغم من مساحتها الصغيرة، تمثل ثِقلاً سياسيًا وإعلاميًا واقتصاديًا بارزًا في المنطقة، وهي أحد الأصوات التي لم تتوانَ عن دعم القضية الفلسطينية بشكل واضح وصريح. لذا فإن استهدافها ليس عبثًا، وإنما عقاب مقصود على مواقفها المعلنة من الاحتلال.
إسرائيل لم تضرب قطر فقط، بل أرادت أن تضرب نموذجًا لدولة ترفع صوتها عاليًا في زمن الانكسارات.
أين الموقف العربي؟
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: أين العرب من هذه الإهانة؟
هل يُعقل أن تُقصف دولة عربية على مرأى ومسمع من الجميع، دون أن نسمع ردًا رسميًا عربيًا يتناسب مع حجم الحدث؟ إن الصمت أو البيانات الدبلوماسية الباردة لا تكفي، فالموقف يتطلب وقفة صلبة تُعيد رسم الحدود الحمراء التي لم يعد الاحتلال يعترف بها.
إن ضعف الرد العربي لم يكن وليد اللحظة، بل هو نتاج سنوات من التجزئة والانقسام، وهو ما شجّع إسرائيل على التمادي بلا حساب.
الشعوب تنتفض بالكلمة والغضب
إذا كان الرسمي العربي عاجزًا، فإن الشعبي العربي لا يزال حيًا.
في كل مرة يعتدي فيها الاحتلال على أرض عربية، تتفجر مواقع التواصل الاجتماعي بالرفض والغضب والتنديد، وتتجدد الدعوات لوحدة الموقف، بل ولإعادة النظر في كل أشكال التطبيع التي لم تجلب سوى المزيد من الذل والخذلان.
إن الشعوب تُدرك أن المعركة لم تعد تخص فلسطين وحدها، بل كل شبر عربي أصبح عرضة للاعتداء ما لم يُوضع حد لهذا الغطرسة.
المجتمع الدولي.. ازدواجية معايير صارخة
ما جرى في قطر كشف مرة أخرى الوجه الحقيقي للنظام الدولي.
لو أن دولة عربية قصفت منشأة إسرائيلية، لكانت الدنيا قامت ولم تقعد، ولعُقد مجلس الأمن بشكل عاجل، وانهالت العقوبات والتهديدات. لكن حين تكون إسرائيل هي المعتدية، يتوارى القانون الدولي، وتتحول الأمم المتحدة إلى شاهد زور، وتُكتفى الإدانات الخجولة من بعض الأطراف. هذه الازدواجية ليست جديدة، لكنها باتت فاضحة إلى حد لا يمكن احتماله.
المعركة مع الاحتلال معركة كرامة
قد يظن البعض أن الصراع مع الاحتلال هو صراع حدود وأراضٍ فقط، لكنه في حقيقته صراع كرامة ووجود. قصف قطر لم يستهدف جغرافيتها بقدر ما استهدف كبرياء الأمة العربية مجتمعة. وكل تنازل عن مواجهة هذا العدوان هو تنازل عن شرفنا الجمعي.
لقد آن الأوان أن نستعيد البوصلة: فلسطين ليست وحدها، وقطر ليست وحدها، وأي دولة عربية تُستهدف يجب أن تُعتبر جزءًا من الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
كلمة أخيرة
إن إسرائيل تدرك جيدًا أن قوتها الحقيقية ليست في تفوقها العسكري فقط، بل في ضعفنا وتشرذمنا. وإذا لم نتحرك اليوم لردع هذا العدوان، فإن الغد سيحمل المزيد من الانتهاكات، وربما نجد أنفسنا أمام مشهد أشد قسوة.
إن الدفاع عن قطر اليوم هو دفاع عن كرامة كل عربي، والدفاع عن فلسطين هو دفاع عن مستقبل الأمة بأكملها.
فإلى متى نبقى في موقع المتفرج؟ وإلى متى نصمت على الإهانة بعد الأخرى؟
إن قصف إسرائيل لقطر ليس مجرد حادث عابر في سجلات الصراع، بل هو إنذار أخير: إما أن تنهض الأمة بكرامتها، أو أن تُدفن تحت ركام صمتها.

