تحقيقات وتقارير

مصابوا التوحد عظماء فى عزلتهم

كتبت_مارينا نوناي

 

“خوف وسخرية واستغراب”، نظرات يتعرض لها أطفال التوحد بسبب تصرفاتهم المختلفة وعدم قدرتهم على الانسجام مع المجتمع، وهنا تبدأ الأم الإحساس بالخزى والحزن وتبدأ الأمهات فى تكريس حياتهن لأطفالهن من خلال مواجهة المجتمع لتوسيع عيون الناس على جمال واختلاف وقدرات ومواهب أطفالهن التى لا قرين لها، خاصة أطفال التوحد الذين يطلق عليهم “أصحاب متلازمة العبقرى”.

 

قصص وحكايات أمهات أطفال التوحد هى المفتاح الذى فتح الباب المغلق على أسرار عالمهم الصغير، ودون أسماءهم فى صفحات الكتب والعقول.

 

والدة الطفل مينا: ” ابنى مش عار ولا معيوب ابنى مختلف وبفتخر بيه “

 

مينا طفل يبلغ من العمر 7 سنوات.. تقول والدته: “اكتشفت ابنى مبكرا وساعدنى ذلك كثيرا فى العلاج.. عندما بلغ ابنى عام ونصف لاحظت أن سلوكه مختلف، فضلا عن عدم تفاعله مع شقيقته ويكاد لا يستطيع نطق أى كلمة، ومع الوقت بدأ الموضوع يزداد سوء، واكتشفت أن هذه التصرفات من أعراض التوحد.. ذهبت به للعديد من الأطباء، ولكن الجميع أكدوا لى أنه لا يعانى من شيء، حتى بدأت التعامل معه على أنه طفل تأخر فقط فى النطق، ومع بداية علاج التخاطب تأكدنا أنه مصاب توحد”.

 

وتابعت:”بدأنا مع مينا جلسات تخاطب وجلسات زيادة توعية وإدراك ومع الوقت بدأ فى التحسن وكانت كلمة نطق بها كلمة ماما، ولكن مع الأسف نتيجة جهل المجتمع وعدم تقبلهم لأى اختلاف يلجأ بعض الأهالى إلى تخبئة أطفالهم ولا يستطيعون الخروج معهم حتى لا يسألهم أحد عن حالتهم أو تصرفاتهم الغريبة

وتروى والدة مينا، قائلة: “رفضت الخوف والهروب وكنا نتعامل بشكل طبيعى ونخرج معه فى كل مكان ونذهب للأفراح والمناسبات للاندماج مع المجتمع الخارجى، أتعامل معه بشكل طبيعى رغم أنف غير المدركين لتميزه.. لم أتذكر أنى شعرت بالخزى منه فى يوم ما بل كنت استمد منه القوة دائما.. كنت أتعمد النظر للجميع بنفس نظرتهم لابنى حتى يشعرون بالخجل من أنفسهم.. وكنت ألهو معه فى الأماكن وأعطيه كل اهتمامى.. ولا أنكر أن قوتى هذه أثرت بشكل كبير على صحته النفسية فهو أصبح أكثر اندماجاً مع التجمعات لا يهابها.. هؤلاء الأطفال فعلا مختلفون لأنهم لا يشبهون هذا المجتمع الذى ينفر كل من اختلف عنه”.

 

والدة محمد: ” ابنى مش مجنون محمد عبقرى ومختلف “

 

قالت والدة الطفل محمد الذى يبلغ من العمر 6 سنوات:”منذ أن كان عمره 6 أشهر كنت أضعه أمام أفلام الكرتون الأجنبى حتى بلغ من العمر سنتين ونصف وبدأت تظهر عليه أعراض غريبة وغير مفهومة فذهبنا به لأطباء المخ والأعصاب والتخصصات المختلفة وبعد إجراء الفحوصات والتحاليل اتضح أنه لا يعانى من شىء.. ولكن عرض علينا الطبيب أن نذهب به لمركز تخاطب، وهنا علمنا أنه مصاب توحد والسبب الأساسى هو أفلام الكرتون التى تتحدث بلغة ونحن نخاطبه بلغة أخرى وأنه لا يوجد أى سبب عضوى وأن محمد دخل طيف التوحد “.

 

وتابعت:” لا أنكر أننى عندما علمت ذلك شعرت أن الكون كله أصبح كأنبوب مغلق لا أعلم متى وكيف سأخرج منه، ولكن لم أترك نفسى لهذا كثيرا، وبدأت أقع فى غرام اختلاف ابنى.. كنت ألعب معه فى الشارع وسط الأطفال حتى يندمج معهم، ولا اخجل من ذلك، قاطعت جميع أهلى لأنهم يعاملون ابنى على أنه مجنون وأنا أرى أنه مختلف، حتى نجحت فى قهر وتحطيم نظرات المجتمع المحيط بى عن أطفال التوحد بأنهم معاقين أو متخلفين، وبدأت فى محاولات لدمجه أكثر وأكثر بإدخاله حضانة لأطفال طبيعيين”.

 

وتضيف والدة محمد:”على الرغم من أنه يخاف من الصوت العالى كنت أحرص دائما على حضور المناسبات حتى يتعامل مع الآخرين دون خوف، ولكن كنا لا نجلس سوى فترة قصيرة حتى لا يتأثر، فكنت أعوض ذلك بالحرص على ممارسة التمارين الرياضية فهى مفيدة جدا لأطفال التوحد فى التأثير عليهم بدنياً ونفسياً.. ولما بلغ محمد عمر خمس سنوات ونصف أصبحت أرى أنه عبقرى ليس طفلا عاديا فهو بارع فى استخدام الكمبيوتر والموبيل سريع البدية وأرى أنه سيكون مختلفا بشكل كبير ويثبت للجميع أنه حقاً مختلف..أطفال التوحد ليسو مجانين، ولكن المجتمع هو السبب فى ذلك فلا بد من نشر الوعى والثقافة بينهم وكيفية التعامل مع هؤلاء الأطفال.. فنظراتهم قد تؤثر على الطفل وعلى الأهالى أيضا، وأود أن أوجه رسالة للأمهات بأن يصبرن مع الاستمرار فى علاج أطفالهن وألا يخفن من نظرات المجتمع وأن يكن أكثر شجاعة”.

 

ومن جانبها، تقول والدة الطفل ماريو “كنت أواجه سخرية المجتمع من ابنى بالدموع حتى أصبحت أسخر من سخريتهم ونجحت فى سحب ابنى من طيف التوحد.. ماريو واحد من أطفال التوحد.. تم اكتشاف حالته عندما كان يبلغ من العمر 3 سنوات.. واجهت صعوبة كبيرة فى تقبل الفكرة وتقبل اختلافه”.

 

وأضافت:” اكتشفنا حالة ماريو لأنه دائما يجلس بمفرده بعيدا عن أى شخص ولا يلعب مع الأطفال ولا يلتفت لنا ودائما يعانى من ارتفاع الصوت، عرضته على طبيب أطفال، أخبرنى أنه قد يعانى من التوحد وبالفعل كان تشخيص الطبيب صحيح وبدأنا فى جلسات التخاطب فى إحدى المراكز.

 

واستكملت فى بداية الأمر كنت أعانى دائما من نظرات المجتمع والسخرية التى أراها فى عيونهم بسبب مرض طفلى وكنت لا أستطيع أن أواجه ذلك إلا بالبكاء لدرجة أنى فكرت فى الهروب إلى مكان لا يعرفنى فيه أحد أنا وابنى، ومع مرور الوقت والتعامل مع مراكز التخاطب والأمهات اللاتى يعانى أطفالهن من نفس المرض أصبحت أواجه المجتمع بكل قوة وأقول للجميع إن طفلى متوحد وعبقرى وليس متخلفا كما يعتقدون، ومن الجانب الآخر أدعمه نفسيا وأنمى قدراته ومواهبه فهو مميز بقدراته وحسه الفنى. وهو الآن بفضل الله استطعنا انتشاله من عالم التوحد بنسبة تزيد على 80%.

 

ودفاعا عن ابنها تقول والدة الطفل محمد رزق:” ابنى مش مجرم ومينفعش يتقال عليه إنه مترباش ابنى عنده أزمة وهاعدى بيه منها”.

 

وتروى والدة الطفل محمد رزق لـ “بطل الحكاية”:” محمد يبلغ من العمر 10 سنوات بدأت الأعراض تظهر عليه من عمر سنتين.. ذهبت به فورأ لمراكز التخاطب والعلاج الطبيعى، ولكن للأسف ابنى بالإضافه لمعاناته من صعوبة النطق والميل للجلوس بمفرده، إلا أنه عنيف جدا وحاول الانتحار وحاول قتل نفسه أكثر من مره بدون أن يكترث لخطورة ما يفعله ويصعب السيطرة عليه وأحياناً تصدر منه تصرفات لا تليق. ولكن هذا ليس جنونا أو سوء تربية كما يصفه المجتمع.

 

وأضافت:”كنت ومازلت أعانى من المجتمع أكثر من مرض ابنى نفسه، فهم لا يرونه مريضا بل يرونه مجنونا متخلفا.. كنت أحزن حتى كاد الحزن يقتلنى بسبب المجتمع المريض، حتى تحول كل هذا الحزن عند بداية سماعى لأول الكلمات التى نطقها، فشعرت بشعاع أمل تسرب لقلبى.. 8 سنوات أعانى ألعب معه.. أغنى له.. أكاد أفعل المستحيل حتى انتشله.. صبرت وسأظل متحلية بصبرى لنهاية عمرى أو للحظه نجاة ابنى من التوحد، فانا أختلف عن الأمهات اللاتى يرين أن التوحد شيء عادى.. أنا أرى أنه مرض لعين ينهش القلب لا الجسم وخاصه قلبى كأم.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى