«قاع الهامور».. حين يصبح الضجيج أعلى من صوت العقل ويضيع الوعي الجمعي
بقلم: الأستاذ الدكتور عيد عبدالواحد علي درويش
لم يعد الخطر الأكبر الذي يواجه مجتمعاتنا اليوم مرتبطًا بالفقر وحده، ولا بالأزمات الاقتصادية، ولا بالتغيرات المتسارعة التي فرضتها التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، وإنما أصبح هناك خطر أكثر عمقًا وأشد تأثيرًا: خطر تراجع الوعي الجمعي، واختلال سلم الأولويات، وتحول اهتمام المجتمع من القضايا التي تصنع المستقبل إلى تفاصيل عابرة لا تصنع إلا الضجيج.
ومن هنا يمكن أن نستعير التعبير الشعبي الساخر «قاع الهامور» بوصفه صورة مجازية لحالة اجتماعية وفكرية مقلقة؛ حالة تهبط فيها الأولويات إلى القاع، بينما تتصدر المشهد موضوعات لا تستحق كل هذا الاهتمام، وتصبح الإثارة أكثر جذبًا من الحقيقة، والانتشار أهم من القيمة، والترند أقوى من الإنجاز.
المشكلة ليست في أن يضحك الناس أو يتابعوا ما هو خفيف وعابر؛ فالإنسان يحتاج إلى الترفيه، والمجتمع يحتاج إلى لحظات من البهجة. لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والترفيه إلى ثقافة عامة، والجدل إلى بديل عن التفكير، وعندما يصبح ما يحقق المشاهدات هو نفسه ما يحدد أجندة المجتمع.
وهنا يجب أن نتوقف ونسأل: من الذي يصنع أولوياتنا؟
هل نحن الذين نختار ما يستحق اهتمامنا؟ أم أن الخوارزميات والمنصات الرقمية أصبحت تختار لنا ما نراه، وما نتحدث عنه، وما نغضب منه، وما نختلف حوله؟
إننا نعيش عصرًا لم تعد فيه المعلومة نادرة، بل أصبحت وفيرة إلى درجة غير مسبوقة. المشكلة لم تعد في الوصول إلى المعرفة، وإنما في القدرة على التمييز بين المعرفة والضوضاء، وبين الحقيقة والتضليل، وبين المهم والعابر.
قد ينتشر مقطع قصير في ساعات قليلة ويحتل مساحة هائلة من النقاش العام، بينما تمر قضية تتعلق بالتعليم أو البحث العلمي أو مستقبل الشباب أو الثقافة أو الاقتصاد مرور الكرام.
وقد يحظى شخص بالشهرة لأنه أثار الجدل، بينما لا يعرف كثيرون اسم باحث أمضى سنوات في مختبره، أو معلم قضى عمره في بناء أجيال، أو مبدع يعمل بصمت، أو شاب ابتكر مشروعًا يمكن أن يغير حياة الآخرين.
وهنا تكمن الأزمة الحقيقية: حين تختلط الشهرة بالقيمة، والمشاهدة بالإنجاز، والانتشار بالتأثير، والضجيج بالحقيقة.
فالشهرة ليست دليلًا على النجاح، وكثرة المتابعين ليست شهادة على الوعي، وعدد المشاهدات لا يمكن أن يكون مقياسًا وحيدًا لقيمة الفكرة.
إن المجتمع الذي يجعل من الأرقام الرقمية معيارًا للقيمة معرض لأن يفقد تدريجيًا قدرته على اكتشاف أصحاب الإنجاز الحقيقي.
ولعل الأخطر من ذلك أن الإنسان قد يعتاد مع الوقت على الاستهلاك السريع للمعلومات، فيقرأ العنوان ولا يقرأ الموضوع، يشاهد المقطع ولا يبحث عن مصدره، يشارك الخبر قبل أن يتحقق منه، ويحكم على قضية كاملة من خلال ثوانٍ معدودة.
وهكذا يتحول العقل من أداة للتحليل إلى مجرد محطة استقبال.
ولا يحدث ضياع الوعي في لحظة واحدة؛ إنه يبدأ بخطوات صغيرة ومتراكمة.
يبدأ عندما نتوقف عن السؤال.
وعندما يصبح التحقق من المعلومة أمرًا زائدًا عن الحاجة.
وعندما نصدق ما يتوافق مع رغباتنا ونرفض ما يخالفها.
وعندما نسمح للغضب أن يقود النقاش.
وعندما يصبح الاختلاف سببًا للخصومة بدلًا من أن يكون فرصة للفهم.
وعندما نفقد شغف القراءة، ونستبدل الكتاب بمقطع سريع، والحوار العميق بتعليق مختصر، والتحليل المتزن بحكم سريع.
إن الوعي لا يموت فجأة، لكنه قد يتآكل بصمت.
والأخطر أن المجتمع قد لا يشعر بهذا التآكل إلا بعد أن يصبح استعادته أمرًا بالغ الصعوبة.
إن صناعة الوعي ليست مسؤولية فرد واحد، ولا مؤسسة واحدة، ولا وزارة واحدة. إنها مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة، وتمر بالمدرسة والجامعة، وتصل إلى الإعلام ومؤسسات الثقافة ومؤسسات المجتمع المدني، بل وتشمل كل فرد يمتلك هاتفًا ومنصة وقدرة على النشر والتأثير.
فالأسرة مطالبة بأن تربي أبناءها على الحوار لا على التلقين فقط.
والمدرسة مطالبة بأن تعلم الطالب كيف يفكر، لا أن تحفظه فقط ماذا يفكر.
والجامعة مطالبة بأن تجعل البحث والسؤال والنقاش العلمي جزءًا من شخصية الطالب.
والإعلام مطالب بأن يدرك أن مسؤوليته لا تقتصر على جذب الجمهور، وإنما تمتد إلى تكوين وعي الجمهور.
أما مواقع التواصل الاجتماعي، فهي في حد ذاتها ليست عدوًا ولا صديقًا مطلقًا؛ إنها أدوات، وقيمة الأداة تتحدد بكيفية استخدامها.
يمكن للتكنولوجيا أن تكون بابًا واسعًا للعلم والمعرفة، ويمكن أن تتحول إلى وسيلة لإضاعة الوقت وتكريس السطحية.
يمكن أن تمنح صوتًا للباحث والمبدع وصاحب الفكرة، ويمكن في الوقت نفسه أن تمنح المساحة نفسها لمن لا يقدم شيئًا سوى الإثارة.
ولهذا فإن القضية ليست في التكنولوجيا وحدها، وإنما في الإنسان الذي يستخدم التكنولوجيا، وفي قدرته على الاختيار.
نحن بحاجة إلى جيل لا يسأل فقط: «ماذا قال الناس؟»، وإنما يسأل: «هل ما قيل صحيح؟»
جيل لا يكتفي بأن يعرف الخبر، بل يبحث عن مصدره.
جيل لا يطارد كل ترند، بل يعرف متى يتابع ومتى يتجاوز.
جيل يستطيع أن يختلف دون أن يكره، وأن يناقش دون أن يسيء، وأن ينتقد دون أن يهدم، وأن يستمع قبل أن يصدر الأحكام.
ذلك هو الوعي الحقيقي.
إن المجتمع الواعي ليس المجتمع الذي يتفق أفراده في كل شيء، وإنما المجتمع الذي يمتلك القدرة على إدارة الاختلاف بعقل، ويمتلك مناعة فكرية تحميه من الشائعات، ومن التضليل، ومن الاستقطاب، ومن تحويل القضايا الهامشية إلى معارك كبرى.
ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تنتشر معلومة خاطئة، وإنما أن يفقد الناس الرغبة في التحقق منها.
وليس أخطر ما في الضجيج ارتفاع صوته، وإنما أن نصبح عاجزين عن سماع صوت العقل وسطه.
إن الأمم لا تبني مستقبلها بعدد الترندات التي تصنعها، وإنما بعدد العقول التي تنميها.
ولا تقاس قوة المجتمع بحجم ما يستهلكه من محتوى، وإنما بقدرته على إنتاج المعرفة، واحترام العلم، وتقدير العمل، ودعم المبدعين، وحماية الحقيقة من التشويه.
وإذا كان هناك «قاع للهامور» في هذا السياق المجازي، فإن الوصول إليه يعني أن تهبط اهتماماتنا إلى أدنى درجاتها، وأن تصبح القضايا الكبرى هامشية، بينما تتحول التفاصيل الصغيرة إلى قضايا رأي عام.
لكن الخروج من هذا القاع ممكن.
يبدأ الأمر من سؤال بسيط: هل يستحق هذا الأمر كل هذا الاهتمام؟
ثم سؤال آخر: ماذا عن القضايا التي لا تتصدر الترند لكنها تصنع مستقبلنا؟
ماذا عن التعليم؟
ماذا عن البحث العلمي؟
ماذا عن القراءة؟
ماذا عن أخلاق الحوار؟
ماذا عن الشباب؟
ماذا عن الثقافة؟
ماذا عن بناء الإنسان؟
ماذا عن القدرة على التفكير النقدي؟
وماذا عن مستقبل وطن يحتاج إلى عقول قادرة على صناعة الحلول، لا إلى جماهير تكتفي بملاحقة المشهد؟
إننا لا نحتاج إلى مجتمع لا يضحك، ولا إلى مجتمع يرفض الترفيه، ولا إلى مجتمع يعيش في حالة من الجدية الدائمة.
نحن نحتاج إلى مجتمع يعرف متى يضحك، ومتى يتوقف، ومتى يسأل، ومتى يقرأ، ومتى يناقش، ومتى يقول: هذه قضية تستحق اهتمامي، وتلك لا تستحق أن تسرق من وقتي وعقلي.
فالحضارة تبدأ من الإنسان، والإنسان يبدأ من وعيه.
وحين يعلو صوت العقل، يصبح المجتمع أكثر قدرة على مواجهة أزماته.
وحين يحترم العلم، يصبح أكثر قدرة على صناعة المستقبل.
وحين يعرف قيمة الوقت، لا يسمح للضجيج بأن يسرق عمره.
وحين يمتلك وعيًا نقديًا، يصبح أقل قابلية للانقياد وراء كل موجة عابرة.
فلننتبه قبل أن يصبح «قاع الهامور» واقعًا فكريًا لا مجرد تعبير ساخر.
فالمشكلة ليست أن تكون هناك تفاهة في المجتمع؛ فالتفاهة ستظل موجودة.
المشكلة أن تصبح التفاهة هي التي تحدد ما نتحدث عنه، وما نختلف عليه، وما نعتبره مهمًا.
وليست المشكلة أن تنتشر الأخبار السريعة؛ وإنما أن تختفي الأسئلة العميقة.
وليست المشكلة أن نمتلك أدوات المعرفة؛ وإنما أن نمتلك الأدوات ونفقد القدرة على استخدامها بوعي.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا:
هل نعيش فعلًا عصر المعرفة، أم أننا نعيش عصرًا نملك فيه كل أدوات المعرفة، بينما يهبط وعينا يومًا بعد يوم إلى القاع؟
إن الإجابة لا يملكها الإعلام وحده، ولا المدرسة وحدها، ولا الأسرة وحدها.
الإجابة يصنعها كل واحد منا، كلما قرر أن يبحث قبل أن يصدق، ويفكر قبل أن يحكم، ويقرأ قبل أن يشارك، ويختار ما يستحق اهتمامه قبل أن يترك الآخرين يختارون له.
فإما أن نستعيد قدرتنا على الصعود إلى سطح الوعي، وإما أن نعتاد العيش في القاع.
والتاريخ لا يرحم المجتمعات التي فقدت بوصلتها.
فاحذروا «قاع الهامور»… فحين يهبط الوعي، لا تسقط معه الأفكار وحدها، بل تتراجع معها قدرة المجتمع على صناعة مستقبله.
أقرا أيضا
أحمد صادق يكتب «قاع الهامور»عندما يصبح الضجيج أقوى من الوعي
المرأة الريفية المنتجة ودورها في التنمية المستدامة.. رؤية تحليلية من د/ أسماء جابر مهران
زهرة الربيع وزيتها: فوائد صحية وجمالية مذهلة


تعليق واحد