مقالات

أحمد صادق يكتب السيسي ورسائل الدستور وأمن الخليج

ليست أهمية الخطابات الرئاسية في الكلمات التي تقال أمام الكاميرات فحسب وإنما فيما تحمله من رسائل سياسية وما تثيره من نقاش حول مستقبل الدولة وطبيعة مسؤوليات القيادة وحدود الالتزام بالقانون والدستور وموقف مصر من التحديات التي تحيط بالمنطقة. ومن هذا المنطلق جاء خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال حفل تخرج دفعات جديدة من الأكاديمية العسكرية المصرية والكليات العسكرية ليعيد طرح مجموعة من الملفات المهمة التي تتجاوز حدود المناسبة وتمتد إلى قضايا الحكم والاستقرار والأمن القومي.

وفي قراءة الإعلامي والكاتب الصحفي مصطفى بكري للخطاب برزت عبارة إذا قال فعل وإذا وعد صدق بوصفها تعبيرا عن رؤيته لما حمله حديث الرئيس من رسائل بشأن احترام الدستور وإعداد الكوادر القادرة على تحمل المسؤولية والتأكيد على ارتباط أمن الخليج بالأمن القومي المصري.

لكن قراءة مثل هذه الخطابات لا ينبغي أن تتوقف عند قوة العبارة أو وقعها الجماهيري بل يجب أن تمتد إلى مضمون الرسائل ودلالاتها السياسية وما تعنيه للمواطن المصري في الحاضر والمستقبل.

الدستور أولا والالتزام بالقواعد أساس استقرار الدولة

من أبرز الملفات التي تناولتها القراءة التي قدمها مصطفى بكري مسألة احترام الدستور والالتزام بأحكامه وما أشار إليه بشأن انتهاء مدة الرئاسة الحالية في عام 2030.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن الدستور ليس مجرد نصوص قانونية مدونة بل هو الإطار الذي ينظم ممارسة السلطة ويحدد مددها واختصاصاتها ويرسم القواعد التي تحكم العلاقة بين مؤسسات الدولة. ومن ثم فإن التأكيد على احترام أحكامه يفتح المجال أمام نقاش مهم حول ضرورة ترسيخ دولة المؤسسات وضمان وضوح القواعد المنظمة للحياة السياسية.

إن استقرار الدول لا يقوم على الأشخاص وحدهم مهما كانت مواقعهم وإنما يستند إلى قوة المؤسسات واحترام القانون والالتزام بالقواعد الدستورية التي تنظم انتقال المسؤوليات وممارستها. وتظل قيمة أي تأكيد سياسي بشأن الدستور مرتبطة بترجمته إلى ممارسة مؤسسية واضحة يعرف المواطن من خلالها حقوقه وتعرف مؤسسات الدولة حدود اختصاصاتها ومسؤولياتها.

ومن هنا فإن الحديث عن موعد انتهاء مدة الرئاسة لا ينبغي التعامل معه باعتباره تفصيلا عابرا بل باعتباره جزءا من النقاش العام حول احترام المدد الدستورية وأهمية أن تظل القواعد الحاكمة للدولة واضحة ومستقرة.

إعداد القيادات استثمار حقيقي في مستقبل مصر

ومن الرسائل التي تبرز في هذا السياق أهمية إعداد وتأهيل الكوادر القادرة على تحمل المسؤولية خلال المرحلة المقبلة.

فالدولة التي تسعى إلى الاستمرار في أداء مؤسساتها بكفاءة تحتاج إلى قيادات تمتلك المعرفة والخبرة وتستطيع التعامل مع المتغيرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وتتحمل مسؤولية القرارات التي تؤثر في حياة المواطنين.

ولا يقتصر بناء الكوادر على التدريب أو التأهيل النظري وإنما يتطلب توفير فرص حقيقية لاكتساب الخبرات وترسيخ معايير الكفاءة والنزاهة والمساءلة وإتاحة المجال أمام أصحاب القدرات لتولي المسؤوليات وفقا لمتطلبات كل موقع.

إن تجديد القيادات وضخ دماء جديدة في مؤسسات الدولة يمثلان ضرورة تفرضها طبيعة التحديات الحديثة لكن نجاح هذه العملية يظل مرتبطا بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة وتحسين جودة الخدمات ورفع كفاءة الأداء وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات العامة.

فالمواطن لا ينتظر من القيادات مجرد تصريحات أو وعود وإنما ينتظر إدارة أكثر كفاءة واستجابة أسرع لمشكلاته وفرصا أفضل للعمل والتعليم ومستوى معيشة يليق بتطلعاته.

أمن السعودية والخليج موقف يرتبط بحسابات الأمن القومي

أما الملف الإقليمي فقد احتل مساحة مهمة في قراءة مصطفى بكري للخطاب خصوصا ما أورده بشأن طلب تفويض من البرلمان للقائد الأعلى للقوات المسلحة للتحرك دفاعا عن أمن المملكة العربية السعودية وربط ذلك بمبدأ دعم أمن الخليج وبالتصريح الشهير مسافة السكة.

وهنا تبرز حساسية القضية فأمن منطقة الخليج يمثل عنصرا مهما في معادلات الاستقرار الإقليمي بالنظر إلى الروابط السياسية والاقتصادية والاستراتيجية التي تجمع مصر بالدول العربية الشقيقة فضلا عن التأثير المباشر لأي تصعيد إقليمي على حركة التجارة والطاقة والاستثمار وأمن المنطقة.

وتقوم العلاقات المصرية الخليجية على مصالح متبادلة وروابط ممتدة تجعل التنسيق والتشاور بين الدول ضرورة للتعامل مع الأزمات والتحديات المشتركة. كما أن حماية الأمن القومي المصري ترتبط بمتابعة ما يجري في المحيط الإقليمي وتقدير تداعياته على المصالح المصرية والعربية.

غير أن الحديث عن أي تحرك عسكري يظل مرتبطا بالتفاصيل الرسمية والإجراءات الدستورية والقانونية ذات الصلة فالتفويضات والإجراءات المتعلقة باستخدام القوة ليست مجرد عبارات سياسية وإنما مسائل تتطلب وضوحا بشأن طبيعتها ونطاقها وأساسها القانوني.

ومن ثم فإن الرسالة الأهم في هذا الملف تتمثل في ضرورة الحفاظ على أمن الدول العربية وتعزيز العمل المشترك ومنع اتساع الصراعات مع الاحتكام إلى الأطر الدستورية والقانونية المنظمة لأي قرارات تتعلق بالأمن والدفاع.

مسافة السكة بين دلالة التضامن ومسؤولية القرار

ارتبطت عبارة مسافة السكة في الخطاب السياسي المصري بمعنى الاستعداد لمساندة الدول الخليجية الشقيقة وهي عبارة تحمل دلالة سياسية تتعلق بطبيعة العلاقات بين الجانبين وما يجمعهما من مصالح وروابط استراتيجية.

لكن ترجمة هذا المعنى إلى سياسات عملية تتطلب قراءة دقيقة للظروف المحيطة بكل أزمة وتقديرا لمخاطر التصعيد وتنسيقا بين الأطراف المعنية بما يحفظ المصالح المصرية والعربية ويجنب المنطقة مزيدا من الاضطرابات.

فالتضامن الحقيقي لا ينفصل عن الحكمة في اتخاذ القرار كما أن الحفاظ على الأمن لا يعني تجاهل الكلفة المحتملة لأي تصعيد. وبين الاعتبارات السياسية والالتزامات القانونية والحسابات العسكرية تظل مسؤولية الدولة هي حماية مصالحها ومصالح شعبها والعمل على دعم الاستقرار الإقليمي.

وتتطلب المرحلة الراهنة تعاونا عربيا قائما على وضوح المصالح وتبادل المعلومات والتشاور المستمر والقدرة على التعامل مع التحديات بأساليب تجمع بين الاستعداد والردع والدبلوماسية.

الخطاب السياسي بين الرسالة والنتيجة

إن الخطابات الرئاسية تكتسب أهميتها الحقيقية عندما تتحول رسائلها إلى سياسات قابلة للتقييم وإجراءات واضحة ونتائج يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

فالحديث عن احترام الدستور يجب أن يقترن بترسيخ سيادة القانون والحديث عن إعداد القيادات ينبغي أن ينعكس على كفاءة المؤسسات والحديث عن حماية الأمن القومي يجب أن يستند إلى تقدير دقيق للمصالح والمخاطر مع الالتزام بالأطر القانونية والدستورية.

وفي الداخل تبقى الملفات الاقتصادية والخدمية والمعيشية في مقدمة اهتمامات المواطنين وهو ما يجعل معيار نجاح أي خطاب سياسي مرتبطا أيضا بمدى انعكاس التوجهات المعلنة على الواقع وقدرة السياسات العامة على معالجة المشكلات وتحقيق التنمية.

ولا يقلل ذلك من أهمية الرسائل السياسية بل يضعها في إطارها الطبيعي فالكلمات ترسم الاتجاهات لكن التنفيذ هو الذي يحدد حجم الأثر والمتابعة والمحاسبة هما الطريق إلى ضمان استمرارية النتائج.

مصطفى بكري وعبارة إذا قال فعل وإذا وعد صدق

في تعليقه على خطاب الرئيس اختار مصطفى بكري عبارة إذا قال فعل وإذا وعد صدق للتعبير عن قراءته لمواقف الرئيس ورسائله.

وتعكس العبارة في سياقها رؤية صاحب التعليق إلى أهمية الوفاء بالوعود والالتزام بالمواقف المعلنة. وهي في الوقت نفسه تفتح الباب أمام معيار عام ينبغي أن يحكم العلاقة بين المسؤول والمواطن وهو أن تكون الوعود واضحة وأن تكون القرارات قابلة للمتابعة وأن تتاح للمجتمع فرصة تقييم النتائج في ضوء ما يعلن من التزامات.

فالوفاء بالوعد في العمل العام لا يقاس بقوة التعبير وحدها وإنما بمدى الالتزام بما أعلن واحترام القانون وتحمل المسؤولية وتقديم نتائج يمكن التحقق منها.

وهذا هو جوهر الثقة بين الدولة والمواطن فالثقة لا تبنى على الكلمات وحدها ولا تستمر بالشعارات وإنما تتعزز كلما وجد المواطن أن القرارات تستهدف المصلحة العامة وأن المؤسسات تعمل بكفاءة وأن المسؤولية تقترن بالمحاسبة.

الخلاصة قوة الدولة في الدستور والمؤسسات والوفاء بالمسؤولية

إن قراءة خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال حفل تخرج دفعات جديدة من الأكاديمية العسكرية المصرية والكليات العسكرية تكشف عن مجموعة من القضايا التي تستحق النقاش والمتابعة وفي مقدمتها احترام الدستور وإعداد القيادات وموقف مصر من أمن السعودية والخليج.

وقد عبر مصطفى بكري عن رؤيته لهذه الرسائل بعبارة إذا قال فعل وإذا وعد صدق وهي عبارة تلخص موقفه من الخطاب بينما تظل المسؤولية العامة تقتضي متابعة ما يترتب على الرسائل السياسية من إجراءات ونتائج.

فمصر تحتاج إلى دولة قوية بمؤسساتها راسخة بقانونها قادرة على حماية أمنها القومي ومتمسكة بعلاقاتها العربية وماضية في إعداد كوادرها للمستقبل. كما تحتاج إلى سياسات تستجيب لتطلعات المواطنين وتمنحهم أسبابا واقعية للثقة والأمل.

وفي النهاية تبقى قوة الدولة في قدرتها على الجمع بين وضوح الموقف واحترام الدستور وبين حماية الأمن وتحمل المسؤولية وبين إعلان الوعود وتحقيق النتائج. فالتاريخ لا تسجله الكلمات وحدها وإنما تسجله القرارات وآثارها وما تتركه من نتائج في حياة الشعوب ومستقبل الأوطان.

أقرا أيضا


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى