مقالات

أحمد صادق يكتب «قاع الهامور»عندما يصبح الضجيج أقوى من الوعي

لم تعد أزمة الوعي في مجتمعاتنا مرتبطة فقط بغياب المعلومات، فالمعلومات أصبحت متاحة للجميع تقريبًا، وفي كل لحظة، وعلى مدار الساعة. بضغطة واحدة يمكن لأي شخص أن يصل إلى آلاف الأخبار والمقالات والآراء والدراسات ومقاطع الفيديو. ومع ذلك، يظل السؤال الأكثر إلحاحًا: لماذا نملك كل هذه المعرفة المتاحة، بينما يتراجع أحيانًا مستوى الوعي والقدرة على التمييز؟

المشكلة، في رأيي، ليست في قلة ما نعرف، وإنما في الطريقة التي نختار بها ما يستحق أن نعرفه، وما يستحق أن نهتم به، وما يجب أن نناقشه، وما ينبغي أن نتجاوزه دون أن نمنحه من وقتنا وعقولنا أكثر مما يستحق.

وهنا يمكن أن نستعير تعبيرًا شعبيًا ساخرًا: «قاع الهامور»؛ لا باعتباره وصفًا حرفيًا، وإنما باعتباره صورة رمزية لحالة يصبح فيها الإنسان غارقًا في التفاصيل الصغيرة، بينما تغيب عنه القضايا الكبرى، ويهبط سلم الأولويات تدريجيًا حتى يصبح الضجيج هو المسيطر، ويصبح العقل منشغلًا بما يلفت الانتباه أكثر مما ينشغل بما يصنع المستقبل.

عندما تتغير بوصلة الاهتمام

في الماضي، كان انتشار الخبر يحتاج إلى وقت، وكانت مساحة النقاش محدودة، وكان الوصول إلى المعلومة مرتبطًا بالصحيفة أو الكتاب أو المدرسة أو الجامعة أو وسائل الإعلام التقليدية.

أما اليوم، فقد تغير كل شيء.

أصبحت الأخبار تصل إلينا قبل أن نبحث عنها، والمقاطع تظهر أمامنا قبل أن نطلبها، والمنصات الرقمية تعرف كيف تجذب انتباهنا وتدفعنا من محتوى إلى آخر.

وهنا ظهر تحدٍ جديد لم يكن بهذه الصورة من قبل: ليس كيف نحصل على المعلومات، وإنما كيف نختار منها ما يستحق الاهتمام.

قد ينتشر موقف عابر خلال ساعات، ويتحول إلى حديث الناس، بينما تمر قضية تتعلق بالتعليم أو الصحة أو الطرق أو مستقبل الشباب أو البحث العلمي دون أن تحصل على جزء يسير من الاهتمام نفسه.

وهذه ليست مشكلة في وسائل التواصل وحدها، بل مشكلة في قدرتنا كمجتمع على ترتيب الأولويات.

فليس كل ما ينتشر مهمًا، وليس كل ما يحظى بمشاهدات كثيرة ذا قيمة، وليس كل ما يثير الجدل يستحق أن يتحول إلى قضية عامة.

من الشهرة إلى القيمة.. أين اختلطت المعايير؟

أحد أخطر التحولات التي نشهدها اليوم هو الخلط بين الشهرة والقيمة.

قد يصبح شخص معروفًا لأنه أثار الجدل، بينما يظل شخص آخر يعمل سنوات في صمت من أجل العلم أو التعليم أو خدمة المجتمع بعيدًا عن الأضواء.

وقد تتحول بعض المنصات إلى ساحات لمنافسة عنوانها الأساسي: من يستطيع جذب الانتباه أكثر؟

لكن المجتمع لا يتقدم بعدد المشاهدات وحده، ولا تقاس قيمة الإنسان بعدد المتابعين، ولا يقاس الإنجاز بحجم الضجيج الذي يحيط به.

هناك معلم يصنع مستقبل أجيال، وطبيب يسهر من أجل مرضاه، وباحث يقضي سنوات في المختبر، ومهندس يشارك في بناء مشروع، وعامل يبدأ يومه قبل شروق الشمس، وشاب يحاول أن يصنع لنفسه طريقًا وسط ظروف صعبة.

هؤلاء جميعًا قد لا يكونون الأكثر ظهورًا على الشاشة، لكن تأثيرهم الحقيقي أكبر بكثير من تأثير كثير من أصحاب الشهرة المؤقتة.

وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: هل أصبحنا نقيس القيمة بما نراه أكثر، بدلًا من أن نقيسها بما يفيد أكثر؟

الوعي لا يموت فجأة

الوعي الجمعي لا يختفي في يوم وليلة.

إنه يتآكل ببطء.

يبدأ الأمر عندما نتوقف عن السؤال، ثم عندما نتعامل مع كل معلومة باعتبارها حقيقة، ثم عندما نفقد الرغبة في القراءة والتحقق، وبعدها يصبح الرأي الأسرع انتشارًا أقوى من الرأي الأكثر منطقية.

ومع الوقت، يمكن أن يتحول المجتمع إلى جمهور يتلقى أكثر مما يفكر، ويشارك أكثر مما يتحقق، ويعلق أكثر مما يقرأ.

وهنا تكمن الخطورة.

فالإنسان الواعي ليس هو الذي يعرف كل شيء، لأن ذلك مستحيل، وإنما هو الذي يعرف كيف يسأل، وكيف يتحقق، وكيف يفرق بين الرأي والحقيقة، وبين الخبر والدعاية، وبين النقد والتشهير، وبين الاختلاف والعداء.

«الترند» ليس مقياسًا للحقيقة

من الأخطاء التي يجب أن نتوقف أمامها أن نعتقد أن انتشار موضوع ما يعني بالضرورة أهميته.

الترند قد يكون مؤشرًا على حجم الاهتمام، لكنه ليس شهادة على صحة المعلومة، وليس دليلًا على قيمة الموضوع.

قد ينتشر خبر خاطئ، وقد تحقق معلومة غير دقيقة آلاف المشاركات، وقد يصبح مقطع قصير حديث الناس لساعات، ثم يختفي كل شيء وكأنه لم يكن.

بينما القضايا الحقيقية لا تختفي لأنها لم تحقق ملايين المشاهدات.

قضية التعليم لا تختفي.

البحث العلمي لا يختفي.

مشكلة البطالة لا تختفي.

تحديات الشباب لا تختفي.

أزمات الطرق والخدمات لا تختفي.

الحاجة إلى تحسين مستوى الثقافة والمعرفة لا تختفي.

هذه القضايا قد لا تكون مثيرة بما يكفي لصناعة ضجة يومية، لكنها تظل أكثر تأثيرًا في حياة الناس ومستقبل المجتمعات.

حين يتحول المجتمع إلى مستهلك للضجيج

أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الإنسان من مشارك في صناعة الوعي إلى مجرد مستهلك للمحتوى.

يشاهد، ثم يشارك، ثم يعلق، ثم ينتقل إلى موضوع آخر.

وفي نهاية اليوم يكون قد استهلك ساعات طويلة من المحتوى، لكنه لم يخرج بالضرورة بفكرة جديدة، أو معرفة حقيقية، أو موقف أكثر نضجًا.

وهنا يصبح السؤال ضروريًا:

كم ساعة نقضيها في متابعة ما يحدث، وكم دقيقة نمنحها لفهم لماذا يحدث؟

الفرق بين السؤالين كبير.

فالمعرفة السطحية تجعل الإنسان يعرف «ماذا حدث»، بينما الوعي الحقيقي يدفعه إلى البحث عن «لماذا حدث»، و«كيف حدث»، و«ما نتائجه»، و«ما الحل الممكن».

الأسرة.. المدرسة.. الجامعة.. والإعلام

لا يمكن تحميل فرد واحد مسؤولية أزمة الوعي.

المسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام ومؤسسات الثقافة والمجتمع المدني، بل وبين كل فرد يمتلك هاتفًا وحسابًا على منصة اجتماعية.

فالأسرة تستطيع أن تعلم أبناءها قيمة الحوار والاستماع واحترام الاختلاف.

والمدرسة تستطيع أن تجعل السؤال جزءًا من العملية التعليمية، لا أن يكون الهدف الوحيد هو حفظ الإجابة.

والجامعة تستطيع أن تربط المعرفة بالبحث والتجربة والنقاش.

والإعلام يستطيع أن يرفع مستوى النقاش العام، وأن يمنح القضايا المهمة مساحة تليق بتأثيرها الحقيقي.

أما المواطن، فله دور لا يقل أهمية: أن يتوقف لحظة قبل مشاركة أي معلومة، وأن يسأل نفسه: هل ما أنشره صحيح؟ وهل نشره مفيد؟ وهل أضيف شيئًا حقيقيًا إلى النقاش؟

التكنولوجيا ليست المشكلة

من السهل أن نلقي اللوم على الهاتف أو مواقع التواصل أو التكنولوجيا.

لكن التكنولوجيا في حد ذاتها ليست عدوًا.

الأداة يمكن أن تكون وسيلة للمعرفة، ويمكن أن تكون وسيلة لإضاعة الوقت.

الهاتف يمكن أن يكون مكتبة، ويمكن أن يكون مجرد شاشة تبتلع الساعات.

المنصات الرقمية يمكن أن تفتح أمام الشباب أبوابًا للتعلم والعمل والإبداع، لكنها في الوقت نفسه قد تدفع إلى الاستهلاك المستمر للمحتوى السريع إذا لم يمتلك المستخدم وعيًا كافيًا بإدارة انتباهه.

لذلك لا نحتاج إلى حرب مع التكنولوجيا، وإنما نحتاج إلى وعي باستخدام التكنولوجيا.

كيف نستعيد بوصلة الوعي؟

استعادة الوعي لا تحتاج إلى شعارات ضخمة، وإنما إلى عادات صغيرة تتراكم.

أن نقرأ أكثر.

أن نسأل قبل أن نصدق.

أن نتحقق قبل أن نشارك.

أن نسمع الرأي المختلف.

أن نبحث عن المصادر.

أن نعطي العلم مساحة أكبر في حياتنا.

أن نناقش القضايا التي تمس مستقبلنا، لا أن نكتفي بملاحقة كل موضوع عابر.

وأن نتعلم أن الاختلاف في الرأي لا يعني بالضرورة أن الطرف الآخر عدو.

فالوعي الحقيقي لا يجعل الإنسان يملك إجابات أكثر فقط، بل يجعله قادرًا على طرح أسئلة أفضل.

أخطر ما في «قاع الهامور»

المشكلة ليست أن نشاهد محتوى خفيفًا أو نضحك أو نتابع موضوعًا عابرًا.

الإنسان يحتاج إلى الترفيه، وهذا أمر طبيعي.

لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والترفيه إلى بديل عن المعرفة، والجدل إلى بديل عن الحوار، والشهرة إلى بديل عن الإنجاز، والمشاهدة إلى بديل عن المشاركة الحقيقية.

عندها يبدأ الهبوط نحو «قاع الهامور».

قاع تختلط فيه الأولويات، وتتساوى فيه القضايا المهمة مع التفاصيل العابرة، ويصبح صاحب الصوت الأعلى أكثر تأثيرًا من صاحب الفكرة الأعمق.

وهنا لا تكون المشكلة في أن الضجيج موجود، بل في أن المجتمع لم يعد قادرًا على خفض صوته للاستماع إلى العقل.

المجتمع الواعي لا يعني مجتمعًا بلا أخطاء

لا يوجد مجتمع يمتلك وعيًا كاملًا.

ولا يوجد إنسان لا يخطئ.

لكن المجتمع الواعي هو الذي يستطيع مراجعة نفسه، وتصحيح أخطائه، والاعتراف بأن بعض الأفكار تحتاج إلى إعادة نظر.

الوعي ليس ادعاء امتلاك الحقيقة.

بل هو القدرة على البحث عنها.

والإنسان الواعي ليس من يرفض كل ما يختلف معه، وإنما من يستطيع الاستماع، والمناقشة، والتمييز، ثم اتخاذ موقفه بناءً على المعرفة لا الانفعال.

مصر تحتاج إلى وعي يليق بمستقبلها

وفي مصر، كما في كل مجتمع، فإن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء الطرق والمشروعات والمؤسسات.

المشروعات مهمة، والاقتصاد مهم، والبنية التحتية مهمة، لكن كل ذلك يحتاج إلى إنسان واعٍ يحافظ عليه ويطوره ويستخدمه بصورة صحيحة.

فالمستقبل لا تصنعه المباني وحدها.

تصنعه العقول.

وتصنعه المدارس والجامعات.

وتصنعه الأسرة.

ويصنعه الإعلام المسؤول.

ويصنعه شاب يعرف أن مستقبله لا يمكن أن يبنى على المشاهدة المستمرة، وإنما على التعلم والعمل والمثابرة.

كلمة أخيرة

ربما يكون «قاع الهامور» مجرد تعبير ساخر، لكنه يحمل في داخله سؤالًا جادًا عن اتجاه البوصلة داخل المجتمع.

هل نعرف فعلًا ما الذي يستحق اهتمامنا؟

هل نمنح القضايا الكبرى الوقت الذي تستحقه؟

هل نربي أبناءنا على التفكير أم على الحفظ فقط؟

هل نستخدم التكنولوجيا أم تسمح لنا التكنولوجيا بأن تستخدم انتباهنا؟

وهل أصبحنا نبحث عن الحقيقة، أم نبحث فقط عما يؤكد ما نريد تصديقه؟

القضية في النهاية ليست أن نمنع الضجيج، فهذا مستحيل، وليست أن نحارب الترفيه أو نرفض التكنولوجيا.

القضية أن نستعيد قدرتنا على الاختيار.

أن نعرف متى نستمع، ومتى نتجاهل.

متى نناقش، ومتى نصمت.

متى نشارك، ومتى نتحقق.

ومتى نمنح موضوعًا دقائق من وقتنا، ومتى ندرك أنه لا يستحق ثانية واحدة من وعينا.

فالأمم لا تبني مستقبلها بكثرة ما تملك من معلومات فقط، وإنما بقدرتها على تحويل المعرفة إلى وعي، والوعي إلى عمل، والعمل إلى تقدم.

ويبقى السؤال الأهم:

هل نحن من يختار ما يشغل عقولنا، أم أن هناك من يختار لنا ما نشاهده ونناقشه ونغضب من أجله؟

ربما تكون الإجابة عن هذا السؤال هي أول خطوة للخروج من «قاع الهامور»… والعودة إلى سطح الوعي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى