دكتور أحمد صادق يكتب: عقول مصر تنتظر الفرصة.. هل يفتح الرئيس السيسي أبواب الدولة أمام حملة الماجستير والدكتوراه؟
بقلم: د.أحمد صادق رئيس مجلس الإدارة
في كل حديث عن بناء دولة حديثة، تتقدم المعرفة باعتبارها أساس التنمية، ويظل الاستثمار في الإنسان هو الطريق الأهم لصناعة المستقبل. لكن وسط هذه الرؤية، يبرز ملف يستحق أن يكون حاضرًا بقوة على طاولة الحوار الوطني والحكومي، وهو ملف حملة الماجستير والدكتوراه غير المعينين، الذين ينتظرون منذ سنوات فرصة حقيقية للاستفادة من مؤهلاتهم العلمية في خدمة الوطن.
إنها قضية لا تتعلق بمجرد وظيفة حكومية، ولا تقتصر على مطالب فئة بعينها، بل ترتبط بكيفية إدارة الثروة البشرية، ومدى قدرة مؤسسات الدولة على الاستفادة من العقول التي أنفقت سنوات طويلة في الدراسة والبحث العلمي، أملا في أن تجد طريقها إلى العمل والإنتاج والمشاركة في بناء الجمهورية الجديدة.
عقول علمية تنتظر الفرصة
وراء كل شهادة ماجستير أو دكتوراه رحلة من الاجتهاد والبحث والتحصيل العلمي، ووراء كل باحث طموح يسعى إلى تحويل ما تعلمه إلى معرفة نافعة وخدمة ملموسة للمجتمع. وعندما تطول فترة الانتظار أمام هذه الكفاءات، يصبح من الضروري إعادة طرح السؤال: كيف يمكن الاستفادة من هذه الطاقات العلمية بصورة أكثر فاعلية؟
إن قيمة الشهادة العلمية لا تتحقق بمجرد الحصول عليها، وإنما تكتمل عندما يجد صاحبها المجال المناسب لتطبيق علمه، والمشاركة في تطوير المؤسسات، والمساهمة في حل المشكلات التي تواجه المجتمع.
ومن هنا، فإن فتح ملف حملة الماجستير والدكتوراه لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مطالبة بالتعيين دون ضوابط، وإنما دعوة إلى وضع رؤية واضحة وعادلة لتقييم الكفاءات، وتحديد احتياجات المؤسسات، وربط المؤهلات العلمية بالفرص المتاحة وفق قواعد معلنة وشفافة.
منذ 2014.. سنوات من الانتظار وأسئلة تحتاج إلى إجابات
يطرح ملف حملة الماجستير والدكتوراه غير المعينين منذ عام 2014 تساؤلات مهمة حول مستقبل هذه الكوادر، والآليات التي يمكن من خلالها الاستفادة من خبراتها، ومدى وجود حصر دقيق لتخصصاتها وأعدادها واحتياجاتها المهنية.
وهنا تبرز أهمية الانتقال من دائرة المطالبات العامة إلى خطوات عملية تبدأ بحصر المؤهلات والتخصصات، وتحديد المجالات التي تحتاج إليها الدولة، ودراسة إمكانات الاستفادة من الباحثين في الجامعات ومراكز البحوث والمؤسسات الحكومية والقطاعات التي تتطلب خبرات متخصصة.
كما أن التعامل مع هذا الملف يحتاج إلى مصارحة واضحة بشأن الإمكانات المتاحة، وأولويات التوظيف، والقواعد القانونية المنظمة للتعيين، حتى لا تتحول آمال المنتظرين إلى وعود مؤجلة، وحتى تكون أي خطوات مستقبلية قائمة على أسس واقعية قابلة للتنفيذ.
إلى الرئيس السيسي.. المعرفة تحتاج إلى آليات للتطبيق
السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، إن بناء دولة المعرفة لا يتحقق فقط بتشجيع التعليم والبحث العلمي، بل يحتاج كذلك إلى آليات عملية تتيح الاستفادة من نتائجهما، وتمنح الكفاءات المؤهلة فرصة عادلة للمشاركة في مسيرة التنمية.
ومن هذا المنطلق، فإن طرح ملف حملة الماجستير والدكتوراه أمام الجهات المعنية، ودراسة أوضاعهم دراسة شاملة، يمكن أن يمثل خطوة مهمة نحو الوصول إلى حلول واقعية تراعي احتياجات الدولة وتطلعات أصحاب المؤهلات العلمية.
والمطلوب ليس استثناء من القواعد، ولا تعيينًا بلا احتياج، وإنما دراسة جادة تضع هذا الملف أمام المسؤولين، وتحدد ما يمكن تنفيذه، وما يتطلب تشريعات أو إجراءات تنظيمية، وما يمكن توفيره من مسارات بديلة للعمل والاستفادة من الخبرات.
فهل تشهد المرحلة المقبلة تحركًا مؤسسيًا لدراسة أوضاع حملة الماجستير والدكتوراه غير المعينين، ووضع تصور معلن للتعامل مع الملف وفق الإمكانات والاحتياجات الفعلية؟
الكفاءة لا ينبغي أن تبقى خارج دائرة الإنتاج
إن الدولة التي تسعى إلى تطوير التعليم والبحث العلمي تحتاج إلى بيئة تستوعب الكفاءات، وتربط المعرفة بالتطبيق، وتفتح المجال أمام المتخصصين للمشاركة في تطوير الأداء الحكومي وتحسين الخدمات.
وقد لا يكون التعيين الحكومي هو المسار الوحيد للاستفادة من حملة الماجستير والدكتوراه؛ فهناك مجالات متعددة يمكن أن تستوعب خبراتهم، من بينها المشروعات البحثية، والاستشارات المتخصصة، والتدريب، والتحول الرقمي، وتطوير السياسات العامة، والتعاون بين الجامعات ومؤسسات الدولة، شريطة توافر فرص حقيقية ومعايير واضحة تضمن الجدية والعدالة.
كما أن الإعلان عن فرص تنافسية معلنة، وإنشاء قواعد بيانات للتخصصات والخبرات، وتطوير برامج تستهدف توظيف المعرفة في حل المشكلات الفعلية، يمكن أن يساعد في تحويل هذا الملف من حالة انتظار ممتدة إلى مسار عمل وإنتاج.
إن حملة الماجستير والدكتوراه ليسوا مجرد أرقام في ملف إداري، بل يمثلون رصيدًا علميًا يمكن أن يسهم في التنمية إذا توافرت له البيئة المناسبة. وفي المقابل، فإن أي معالجة جادة يجب أن توازن بين طموحاتهم المشروعة، واحتياجات الدولة، والموارد المتاحة، وقواعد تكافؤ الفرص.
ومن هنا، فإننا نطرح هذا الملف للنقاش العام، وندعو الجهات المعنية إلى دراسة أوضاع هذه الفئة، والاستماع إلى مطالبها، والإعلان عن رؤية واضحة بشأن سبل الاستفادة من مؤهلاتها وخبراتها.
فالسؤال الذي يستحق الإجابة ليس فقط: متى يحصل حملة الماجستير والدكتوراه على فرصة؟ بل أيضًا: كيف تستطيع الدولة تحويل هذه الطاقات العلمية إلى قيمة مضافة في التعليم والإدارة والبحث والإنتاج؟
أقرا أيضا





