أحمد صادق يكتب عن غياب نواب الدائرة عن صلح البداري بأسيوط
بقلم أحمد صادق رئيس مجلس الإدارة
في المشاهد التاريخية التي تختبر معادن الرجال، وتكشف حقيقة القرب من الناس، لا تكون الكلمات وحدها هي المعيار، ولا تكفي الشعارات التي ترفع في المناسبات، بل تبقى المواقف الحقيقية هي الشاهد الأصدق على الحضور والمسؤولية والانتماء إلى الناس.
ومن هنا يبرز سؤال يفرض نفسه بقوة عقب مشهد الصلح الذي شهدته قرية عرب مطير بمركز البداري في محافظة أسيوط: **أين كان نواب الدائرة جميعا من هذا المشهد التاريخي؟ ولماذا لم يظهروا، بحسب ما تم تداوله، إلى جوار أبناء دائرتهم وأهالي البداري في مناسبة تحمل قيمة اجتماعية وإنسانية كبيرة؟
السؤال ليس بحثا عن صورة تذكارية، ولا محاولة لتقليل قيمة جهود أي طرف، وإنما هو تساؤل مشروع عن معنى التمثيل النيابي، وعن الدور الذي ينتظره المواطنون من ممثليهم في اللحظات التي تتجاوز حدود المناسبات التقليدية، لتصبح جزءا من ذاكرة المجتمع وتاريخه.
صلح البداري.. مشهد أكبر من مجرد مناسبة
إن إنهاء الخصومات وإعلاء قيمة التسامح والسعي إلى إرساء السلام بين العائلات من الأعمال التي تستحق التقدير، لما تحمله من معان تتصل بأمن المجتمع واستقراره، وبقدرة أبناء الصعيد على تجاوز الخلافات وفتح صفحات جديدة من التفاهم والتعايش.
وفي قرية عرب مطير بالبداري، جاء مشهد الصلح ليعيد التأكيد على أهمية الجهود المجتمعية التي تستهدف إطفاء نار الخلافات، وترسيخ ثقافة التسامح، وتغليب المصلحة العامة على أي اعتبارات أخرى.
وقد حضر المشهد عدد من القيادات الأمنية، في مقدمتهم اللواء حازم زين مساعد وزير الداخلية مدير أمن أسيوط، واللواء محمد عزت مدير المباحث الجنائية، إلى جانب قيادات وشخصيات أخرى، بحسب المعلومات المتداولة عن المناسبة.
وهنا تتجلى قيمة المشهد؛ فالأمر لا يتعلق بمجرد حضور رسمي، وإنما برسالة مهمة مفادها أن استقرار المجتمع مسؤولية مشتركة، وأن كل جهد صادق يسهم في إنهاء الخصومات يستحق الاحترام والتقدير.
أين نواب الدائرة من أبناء البداري؟
يبقى السؤال الذي يشغل قطاعا من أبناء الدائرة: لماذا غاب نواب الدائرة عن الحضور والوقوف إلى جوار الأهالي في هذا المشهد؟
أليس من حق المواطنين أن يتساءلوا عن أسباب غياب ممثليهم عن مناسبة اجتماعية بهذا الحجم؟ أليس الحضور في مثل هذه اللحظات فرصة للتواصل المباشر مع الأهالي، والاستماع إليهم، ومشاركتهم مناسباتهم التي تحمل أهمية خاصة في وجدان المجتمع المحلي؟
إن الدور النيابي لا يقتصر على الجلسات الرسمية أو متابعة الملفات الخدمية أو الظهور في المناسبات العامة، بل يمتد إلى التواصل المستمر مع المواطنين، ومشاركتهم أفراحهم وأحزانهم، والاقتراب من واقعهم، وتقدير كل خطوة تسهم في حماية النسيج الاجتماعي.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي التأكيد أن غياب النائب عن مناسبة بعينها لا يكفي وحده للحكم على مجمل أدائه أو دوره، كما أن أسباب عدم الحضور لا يمكن الجزم بها دون معلومات واضحة. لكن هذا لا يلغي حق الأهالي في طرح الأسئلة وانتظار التوضيح، خاصة عندما يتعلق الأمر بمشهد يحظى بأهمية كبيرة لدى أبناء المنطقة.
التمثيل النيابي مسؤولية قبل أن يكون منصبا
المواطن الذي يمنح ثقته لممثله النيابي ينتظر منه أن يكون قريبا منه في مختلف الظروف، وأن يشعر بأن صوته ومطالبه واهتماماته حاضرة في حسابات من يمثله.
فالمنصب النيابي ليس وجاهة اجتماعية، ولا لقبًا يضاف إلى الاسم، وإنما مسؤولية عامة تفرض التواصل والاهتمام والمشاركة، وتستوجب أن يكون النائب حاضرا في القضايا التي تمس حياة المواطنين، سواء كانت خدمية أو اجتماعية أو إنسانية.
وفي الصعيد بوجه خاص، تحتل المصالحات المجتمعية مكانة مهمة، لما لها من دور في تعزيز الاستقرار، وفتح أبواب جديدة أمام التفاهم، وحماية العلاقات بين العائلات. ومن ثم فإن مشاركة ممثلي المواطنين في مثل هذه المناسبات، متى سمحت الظروف، تحمل رسالة تقدير للأهالي وتشجع ثقافة الحوار والتسامح.
ولا يعني ذلك أن الحضور وحده هو معيار النجاح النيابي، فهناك أعمال وجهود أخرى لا تقل أهمية، لكن الحضور في اللحظات الفارقة يظل أحد أشكال التواصل التي ينتظرها المواطن من ممثله.
المواقف تثبت الحقائق دائما دون شرح
لقد اعتاد الناس أن يميزوا بين الكلام والموقف، وبين الوعود والحضور الفعلي، وبين التواصل وقت الحاجة والظهور في المناسبات التي تحظى بالاهتمام.
وفي النهاية، لا تحتاج المواقف الصادقة إلى كثير من التبرير، كما أن الأسئلة المشروعة لا ينبغي أن تتحول إلى اتهامات دون دليل. المطلوب هو الوضوح والشفافية واحترام حق المواطنين في معرفة ما جرى، بعيدا عن المبالغة أو إطلاق الأحكام المسبقة.
ومن هنا، فإن التساؤل عن غياب نواب الدائرة عن صلح عرب مطير بالبداري يظل سؤالا مفتوحا أمام الرأي العام المحلي، في انتظار توضيح أسباب عدم الحضور، إن كانت هناك ظروف حالت دون المشاركة.
فالبداري وأبناؤها يستحقون الاهتمام، ومناسباتهم الكبرى تستحق التقدير، والتمثيل النيابي الحقيقي يقوم على علاقة مستمرة مع الناس، لا على الظهور في توقيتات بعينها.
وفي ختام هذا المقال، تبقى الرسالة واضحة: المواقف تثبت الحقائق دائما دون شرح، لكن الإنصاف يقتضي أيضا أن نسمع التوضيحات قبل إصدار الأحكام. وبين حق المواطنين في السؤال وحق الآخرين في توضيح مواقفهم، تبقى المصلحة العامة واحترام أبناء الدائرة هما الأساس.
أقرا أيضا




