مقالات

حين أُغلق باب الوظيفة.. فتحت التكنولوجيا بابًا جديدًا للمرأة المصرية

لم تكن لحظة تركها العمل مجرد استقالة من وظيفة، بل كانت نقطة تحول غيّرت مسار حياتها بالكامل. فبعد أن وجدت نفسها أمام ضغوط مهنية تتعارض مع مبادئها، اختارت أن تقول «لا»، حتى وإن كان الثمن فقدان مصدر دخل كانت في أمسّ الحاجة إليه.

في يوليو، غادرت وظيفتها بإرادتها، ثم بدأت رحلة طويلة من البحث عن فرصة جديدة استمرت حتى نوفمبر، طرقت خلالها أبوابًا عديدة وتقدمت إلى وظائف مختلفة، لكنها لم تجد الفرصة التي تبحث عنها.

كانت تحتاج إلى المال، وإلى العمل، والأهم إلى الشعور بأنها ما زالت قادرة على الوقوف من جديد.

ثم جاءت جائحة كورونا، التي أغلقت أبوابًا كثيرة أمام ملايين الأشخاص حول العالم، لكنها فتحت أمامها بابًا لم تكن تتوقعه.

في مارس 2020، بدأت قناة «إنتِ ناجحة» على منصة «يوتيوب»، بإمكانات محدودة، لكن بإصرار كبير على التعلم والتجربة.

بدأت بتعلم صناعة المحتوى والتعامل مع الجمهور والاستفادة من الأدوات الرقمية، ولم تكن تعرف وقتها إلى أين يمكن أن تقودها هذه الخطوة.

في البداية، كانت تبحث عن فرصة لنفسها، لكنها مع مرور الوقت اكتشفت أن العالم الرقمي يمكن أن يتحول إلى مساحة للعمل والتعلم وبناء المشروعات، خصوصًا للمرأة التي فقدت وظيفتها أو تبحث عن مصدر دخل جديد.

واليوم، تضم قناة «إنتِ ناجحة» نحو 16 ألف متابع، وتقدم محتوى عن الفنادق والسياحة، إلى جانب تسليط الضوء على صاحبات المشروعات الصغيرة والتعريف بقصص نجاحهن والفرص المتاحة أمامهن.

وهكذا تحولت القناة من مشروع شخصي إلى رسالة تهدف إلى دعم المرأة وتشجيعها على الاستفادة من التكنولوجيا.

في ديسمبر 2024، شاركت في فعالية ومسابقات تشجيعية مرتبطة بمنصة «يوتيوب»، وكانت التجربة بالنسبة لها محطة مهمة في رحلتها.

ورغم أن المشاركة لم تكن جائزة رسمية أو لقبًا وظيفيًا، فإنها حملت بالنسبة لها معنى شخصيًا عميقًا؛ إذ رأت فيها تأكيدًا على قدرتها على تجاوز المرحلة الصعبة التي مرت بها.

فمن امرأة تركت وظيفتها دون أن تعرف ماذا يحمل لها المستقبل، أصبحت صانعة محتوى، وتشارك في الفعاليات، وتعمل في الصحافة والإعلام، وتواصل تطوير أدواتها ومهاراتها.

تجربتها دفعتها إلى طرح سؤال يتجاوز قصتها الشخصية:

ماذا يحدث للمرأة المصرية عندما تُغلق أمامها أبواب العمل التقليدي؟

وتشير البيانات إلى أن هناك فجوة كبيرة لا تزال قائمة في مشاركة النساء في سوق العمل المصري.

ووفق بيانات البنك الدولي المنشورة عام 2025، بلغت مشاركة النساء في قوة العمل في مصر نحو 18.5%، مقابل 70.5% للرجال، بينما يشير البنك الدولي إلى أن تضييق فجوة التوظيف بين الجنسين يمكن أن يرفع الناتج الاقتصادي لمصر بنحو 56%.

وتكشف هذه الأرقام عن حجم كبير من الطاقات النسائية التي لا تزال خارج سوق العمل أو لا تحصل على الفرص المناسبة.

ولا تتوقف المسألة عند الوظائف التقليدية، إذ يشهد العمل الحر وريادة الأعمال النسائية حضورًا متزايدًا.

وبحسب تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الصادر في مايو 2026، تجاوز عدد النساء المصريات العاملات لحسابهن الخاص ثلاثة أرباع مليون امرأة خلال عام 2024، مقارنة بأقل من نصف مليون في عام 2021.

ورغم هذا النمو، لا تزال النساء يمثلن ما يزيد قليلًا على 11% من إجمالي العاملين لحسابهم الخاص في مصر.

وتعكس هذه الأرقام رغبة واضحة لدى النساء في العمل وبناء مصادر دخل مستقلة، لكنها في الوقت نفسه تكشف استمرار وجود تحديات تتعلق بالتمويل والمهارات والوصول إلى الأسواق والفرص.

ترى فيفيان محمد أن التحول الرقمي كان أحد أهم الأبواب التي ساعدتها على استعادة طريقها المهني.

ولا تقتصر الفرص الرقمية على صناعة المحتوى، بل تمتد إلى التسويق الإلكتروني، والتجارة الإلكترونية، والعمل عن بُعد، وإدارة المشروعات، وبناء العلامات التجارية، وتقديم الخدمات عبر الإنترنت.

وفي هذا السياق، ظهرت مبادرات تستهدف رفع المهارات الرقمية للنساء، من بينها مبادرة «قدوة-تك»، التي تعمل على تدريب النساء في مجالات التسويق عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتجارة الإلكترونية والمهارات الرقمية والذكاء الاصطناعي.

ووفق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، استفادت أكثر من 32 ألف امرأة من تدريبات المبادرة في مختلف محافظات مصر حتى مايو 2025، منذ إطلاقها عام 2019.

لكن التكنولوجيا، بحسب هذه الرؤية، لا تستطيع وحدها حل جميع مشكلات المرأة في سوق العمل.

فالتمكين الحقيقي يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل التدريب، والتمويل، والبيئة المهنية العادلة، والحماية القانونية، وتوفير فرص حقيقية للنمو.

«المرأة تحتاج إلى فرصة.. وليس شفقة»

تلخص فيفيان رسالتها في عبارة واضحة:

«المرأة لا تحتاج إلى الشفقة.. إنها تحتاج إلى الفرصة».

فالمرأة، من وجهة نظرها، تحتاج إلى أن تُقيّم وفق كفاءتها وقدرتها، وأن تتمكن من رفض ما يتعارض مع مبادئها المهنية دون أن يعني ذلك نهاية مستقبلها.

كما تحتاج إلى امتلاك أكثر من طريق مهني يمكنها اللجوء إليه عندما يغلق أمامها باب الوظيفة التقليدية.

ومن هنا، أصبحت «إنتِ ناجحة» بالنسبة لها أكبر من مجرد قناة على منصة رقمية؛ إذ تسعى من خلالها إلى دعم صاحبات المشروعات الصغيرة، وإبراز قصصهن، والتعريف بجهودهن، وتشجيعهن على الاستفادة من الأدوات الرقمية.

الشمول المالي.. خطوة نحو الاستقلال الاقتصادي

وتشير مؤشرات الشمول المالي إلى تطور ملحوظ في وصول النساء إلى الخدمات المالية.

فقد أعلن البنك المركزي المصري وصول معدل الشمول المالي للمرأة إلى 68.8% بنهاية ديسمبر 2024، بزيادة كبيرة مقارنة بعام 2016، قبل أن يرتفع إلى 70% في يونيو 2025.

ويمثل الشمول المالي عنصرًا مهمًا في الاستقلال الاقتصادي، لأنه يتيح للمرأة امتلاك حساب مالي وإدارة دخلها والوصول إلى الخدمات المالية والاستفادة من الأدوات الرقمية في إدارة حياتها أو مشروعها.

ورغم ذلك، لا تزال فجوة المشاركة في سوق العمل قائمة، وهو ما يجعل تمكين المرأة قضية اقتصادية واجتماعية في الوقت نفسه.

عندما تنظر فيفيان اليوم إلى رحلتها، تتذكر المرأة التي غادرت وظيفتها في يوليو، ثم أمضت أشهرًا تبحث عن فرصة جديدة، والخوف والدموع والاحتياج إلى المال.

وتتذكر كذلك قرارها في مارس 2020 ببدء قناة على «يوتيوب»، دون أن تعرف إلى أين يمكن أن تقودها تلك الخطوة.

بعد سنوات، أصبحت تمتلك تجربة في صناعة المحتوى، وقناة يتابعها نحو 16 ألف شخص، ومحتوى يهتم بالفنادق والسياحة وصاحبات المشروعات الصغيرة، إلى جانب عملها في الصحافة والإعلام ومشاركتها في فعاليات ومسابقات مختلفة.

لم يكن الطريق سهلًا، لكنه أثبت لها أن البداية الصغيرة يمكن أن تتحول إلى مشروع أكبر، وأن فقدان الوظيفة لا يعني بالضرورة فقدان المستقبل.

وتقول رسالتها للمرأة التي تشعر أن كل الأبواب أُغلقت أمامها:

خسارتك لوظيفة ليست خسارة لحياتك.
رفضك للخطأ ليس فشلًا.
وبدايتك من الصفر ليست عيبًا.

قد يُغلق باب، وقد تمر المرأة بمرحلة من الألم والقلق، لكنها قد تكتشف لاحقًا أن الباب الذي أُغلق دفعها إلى طريق جديد لم تكن تعرف أنه موجود.

ومن خلاله لم تستعد فقط قدرتها على العمل، وإنما استعادت ثقتها بنفسها، ثم قررت أن تجعل من تجربتها وسيلة لمساعدة نساء أخريات على استعادة ثقتهن بأنفسهن أيضًا.

لأن نجاح امرأة واحدة لا ينبغي أن يكون نهاية القصة.. بل يمكن أن يكون بداية الطريق لنساء أخريات.

أقرا أيضا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى