أخبار مصر

أحمد صادق يكتب: الشهادات العليا بين الانتظار والإنصاف

بقلم أحمد صادق رئيس مجلس إدارة جريدة وموقع أصالة وطن

في لحظةٍ ما، تتبدّل المعاني دون إنذار. يتحوّل الطريق الذي سار فيه آلاف الشباب بإيمانٍ كامل إلى مساحةٍ رمادية لا ملامح لها. طريقٌ بدأ بحلم بسيط: أن يكون العلم جسرًا إلى حياةٍ كريمة، فإذا به ينتهي—أو يكاد—إلى مقعد انتظار طويل، لا أحد يعرف متى ينتهي، ولا كيف.

حملة الماجستير والدكتوراه ليسوا مجرد أرقامٍ في قوائم أو كشوفٍ مؤجلة، بل هم حكايات تعبٍ وسنوات من السهر، وأسرٍ راهنت على التعليم باعتباره الأمل الوحيد للصعود الاجتماعي. هم أولئك الذين صدّقوا أن الاجتهاد يكفي، وأن التفوق يُكافأ، وأن الدولة التي ترفع شعار “العلم طريق المستقبل” ستفتح أبوابها يومًا أمامهم. لكن الواقع، في كثيرٍ من الأحيان، جاء على عكس تلك التوقعات.

المشهد اليوم لا يُختصر في تأخر تعيين أو إجراء إداري بطيء، بل يتجاوز ذلك إلى أزمة ثقة حقيقية في العلاقة بين التعليم وسوق العمل. أزمة تجعل الشاب يتساءل: ماذا بعد كل هذا الجهد؟ وأين يذهب بكل ما حصّله من معرفة وخبرة، إذا لم يجد له موطئ قدم؟

لا يمكن تجاهل أن الدولة تواجه معادلة صعبة. جهاز إداري متخم، وموازنة مثقلة بالأعباء، وضغوط اقتصادية لا تسمح بسياسات التوظيف الشامل كما كان يحدث في عقود سابقة. هذه حقائق لا خلاف عليها، ولا يمكن القفز فوقها بالشعارات أو الأمنيات. لكن في المقابل، لا ينبغي أن تتحول هذه التحديات إلى مبرر لترك آلاف الكفاءات في حالة من التعليق الدائم، بلا أفق واضح أو خطة مُعلنة.

الأزمة الحقيقية لا تكمن فقط في نقص الفرص، بل في غياب الرؤية. حين لا يعرف الشاب متى تُحسم الأمور، أو ما هي المعايير التي تُدار بها الملفات، يصبح الانتظار نفسه عبئًا نفسيًا واجتماعيًا، لا يقل قسوة عن البطالة. الغموض يقتل الأمل ببطء، ويحوّل الحلم إلى حالة من الإرهاق المستمر.

المشكلة، في جوهرها، أعمق من مجرد ملف توظيف. إنها فجوة ممتدة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل. فجوة تجعل بعض التخصصات—خصوصًا النظرية—أكثر عرضة للتكدس والبطالة، بينما تعاني مجالات أخرى من نقص الكفاءات. هذه المفارقة تكشف خللًا هيكليًا يحتاج إلى معالجة جذرية، لا حلولًا مؤقتة.

التجارب الدولية تقدّم دروسًا مهمة في هذا السياق. الدول التي واجهت تحديات سكانية واقتصادية مشابهة لم تعتمد على التوظيف الحكومي كحل رئيسي، بل ركّزت على بناء اقتصاد إنتاجي قادر على استيعاب المعرفة وتحويلها إلى قيمة حقيقية. ربطت التعليم بالصناعة، والبحث العلمي بالتطبيق، وخلقت مسارات متعددة للعمل خارج الإطار التقليدي للوظيفة الحكومية. لم يكن الطريق سهلًا، لكنه كان واضحًا.

لكن نقل هذه التجارب كما هي ليس الحل، فلكل دولة خصوصيتها. ما نحتاجه هو فهم جوهر الفكرة: أن القيمة الحقيقية لا تكمن في الشهادة ذاتها، بل في القدرة على توظيفها داخل منظومة اقتصادية مرنة ومتطورة. وهنا يأتي الدور الأهم: إعادة صياغة العلاقة بين التعليم والعمل.

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل الحاضر بحجة بناء المستقبل. العدالة تقتضي الجمع بين الأمرين. إنصاف من انتظروا سنوات طويلة، وفي الوقت نفسه وضع أسس جديدة تمنع تكرار الأزمة. هذا يعني الحاجة إلى معالجة استثنائية، محددة بزمن ومعايير واضحة، تفتح باب التعيين بشكل عادل يراعي الأقدمية والكفاءة، دون أن يتحول ذلك إلى سياسة دائمة.

بالتوازي، يجب العمل على مسارات أخرى لا تقل أهمية: دعم التعليم التطبيقي، إعادة توجيه التخصصات وفق احتياجات السوق، تحفيز القطاع الخاص على استيعاب الكفاءات العلمية، وخلق بيئة تشجع الابتكار والعمل الحر. فالعالم لم يعد ينتظر الوظيفة الحكومية كخيار وحيد، بل يفتح آفاقًا متعددة لمن يمتلك المهارة والمعرفة.

يبقى العنصر الأهم في كل ذلك: الوضوح.
أن يعرف المواطن أين يقف، وما الذي ينتظره، وما هي الخيارات المتاحة أمامه. الشفافية ليست رفاهية، بل ضرورة لإعادة بناء الثقة. حين تكون القواعد واضحة، يستطيع الجميع اتخاذ قراراتهم بوعي، بدل البقاء في دائرة الانتظار المفتوح.

قضية حملة الماجستير والدكتوراه لم تعد مجرد مطلب فئوي، بل تحوّلت إلى سؤال أكبر عن قيمة العلم في المجتمع. هل ما زال العلم هو الطريق؟ أم أصبح مجرد مرحلة يُعاد بعدها البحث عن طريقٍ آخر؟

الإجابة لا يجب أن تكون بالكلمات، بل بالأفعال.
احترام العلم لا يكون بالشعارات، بل بكيفية التعامل مع أصحابه. هؤلاء لا يطلبون امتيازات استثنائية، بل يطالبون بحق طبيعي: أن يجد علمهم مكانًا، وأن يكون لتعبهم مقابل، وأن لا تبقى شهاداتهم معلّقة على جدران المنازل… بينما حياتهم معلّقة على أبواب الانتظار.

في النهاية، ليست القضية صراعًا بين إمكانيات الدولة وحقوق الأفراد، بل اختبار لقدرتنا على تحقيق توازن عادل بينهما. فلا الدولة تستطيع أن تتحمل ما يفوق طاقتها، ولا المواطن يجب أن يُترك وحيدًا يدفع ثمن تحولات لم يكن طرفًا في صنعها.

وما بين الحلم والواقع، يبقى السؤال معلقًا:
هل نريد دولة تُوظّف الشهادات… أم دولة تُشغّل العقول؟

اقرا ايضا

أحمد صادق يكتب : حصر 2021 يثير جدل 10 سنوات وموقف الماجستير والدكتوراه والموظفين

أحمد صادق يكتب: مصر تتحرك دبلوماسيًا بحكمة ومسؤولية لاحتواء التصعيد ومنع اتساع رقعة الحرب في المنطقة

أحمد صادق يكتب: «الست موناليزا» تثير الجدل حول صناعة النجومية في الدراما المصرية بين منطق السوق والنقد الفني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com