محافظات

في ندوة بمجمع إعلام أسيوط: الذكاء الاصطناعي يشعل “مصنع الشائعات”.. وخبراء يحذرون من وقود التخريب الاقتصادي والاجتماعي

متابعة فاطمة محمود

مقدمة: الشائعات سلاح العصر الجديد

لم تعد الشائعات مجرد أحاديث عابرة أو منشورات عشوائية على مواقع التواصل الاجتماعي، بل أصبحت سلاحًا ناعمًا تستخدمه قوى مختلفة لتفكيك المجتمعات وزعزعة استقرار الدول. ومع تطور التكنولوجيا، وخاصة تقنيات الذكاء الاصطناعي، دخلنا عصرًا جديدًا تتجاوز فيه الشائعة حدود الخيال، لتصبح صناعة متقنة لها أدواتها واستراتيجياتها وأهدافها التخريبية.

في هذا السياق، نظم مجمع إعلام أسيوط التابع للهيئة العامة للاستعلامات ندوة كبرى بعنوان “الذكاء الاصطناعي ودوره في نشر الشائعات.. التحديات والحلول”، بحضور ما يقرب من 150 مشاركًا يمثلون قطاعات التعليم والصحة والبيئة والزراعة والطب البيطري، بالإضافة إلى شباب الجامعات.

54% زيادة في معدل الأخبار الملفقة

كشف الدكتور أيمن محمد عياد، مدير معهد تكنولوجيا المعلومات بجامعة أسيوط، عن أرقام صادمة خلال الندوة، حيث أوضح أن معدل انتشار الشائعات ارتفع بنسبة 54% خلال الفترة الأخيرة. وأكد أن هذه الزيادة ليست وليدة الصدفة، بل نتيجة “استغلال منهجي” لوسائل التواصل الاجتماعي، يقوم على استهداف حسن النية لدى المستخدمين العاديين، وتحويلهم إلى ناقلين مجانيين لمحتوى كاذب ومضلل.

“المستخدم البسيط أصبح جزءًا من صناعة التضليل دون أن يشعر، حيث يتم دفعه لمشاركة الأخبار الملفقة عبر العاطفة والدين والوطنية” – د. أيمن عياد


الذكاء الاصطناعي وتحويل المستخدم إلى ناقل للشائعات

أوضح الخبير أن الشائعات لم تعد مجرد خبر كاذب يفتقد المصداقية، بل تطورت إلى “فن خبيث” يعتمد على جزء بسيط من الحقيقة، ثم يضيف إليه معلومات مختلقة بعناية فائقة لتضليل القارئ. وتتمثل الخطورة في أن أدوات الذكاء الاصطناعي باتت قادرة على تصميم صور، فيديوهات، وحتى تسجيلات صوتية تكاد تكون حقيقية، مما يجعل عملية كشف التزييف أكثر صعوبة.

هذه الأخبار الملفقة لا تُصمم عبثًا، وإنما لتحقيق أهداف محددة مثل:

إضعاف ثقة المواطن في مؤسساته.

نشر قيم سلبية تقلل الإنتاجية وتضعف التماسك الاجتماعي.

التأثير على الاقتصاد الوطني من خلال التلاعب بالأسعار أو ضرب أسواق المال.

إشعال الكراهية بين طبقات المجتمع وفئاته المختلفة.

تنفيذ أجندات سياسية خارجية تهدف إلى زعزعة الاستقرار الداخلي.


كيف يتم هندسة الخبر الكاذب ليستدرج مشاعرك؟

أكد الدكتور أيمن عياد أن صناع الشائعات يدركون تمامًا أن “المعلومة السلبية” أكثر جاذبية وانتشارًا من أي خبر إيجابي. ولهذا يتم هندسة الخبر السلبي بعناية فائقة ليستثير المشاعر، ويُدفع المتلقي إلى التفاعل والمشاركة العاطفية السريعة.

“الخبر الكاذب لا يعيش إلا إذا لمس مشاعر الناس.. لذلك يتم ربطه بالدين أو الوطنية أو القيم الاجتماعية لإحداث صدمة نفسية ودفع الناس لمشاركته دون تحقق.” – د. أيمن عياد


آليات الجريمة الإلكترونية.. من الألعاب إلى الروابط الوهمية

أشار الخبير إلى أن الحرب الحديثة لم تعد تعتمد على الدبابات والطائرات فقط، بل على تقنيات التضليل المعلوماتي، حيث يتم ضخ مليارات الدولارات لتطوير أدوات رقمية متخصصة في صناعة الأخبار الكاذبة. ومن بين أبرز هذه الوسائل:

الألعاب الإلكترونية التي تحتوي على برامج تجسس خفية.

الروابط الوهمية التي تدّعي توزيع جوائز أو منح مجانية.

الإعلانات المزيفة التي تجمع البيانات الشخصية للمستخدمين.

وتُباع هذه البيانات لاحقًا لأجهزة استخبارات أجنبية، بهدف استخدامها في حملات تأثير ممنهجة تستهدف الاقتصاد والمجتمع معًا.


ضعف التوعية يجعل المواطن “هدفًا سهلًا”

لفت الدكتور أيمن إلى أن المواطن المصري، في ظل ضعف التوعية بالأمن السيبراني، أصبح هدفًا سهلاً لتلك الحملات. وأكد أن غياب الثقافة الرقمية يجعل الكثيرين عرضة للانخداع بالمحتوى المزيف، مما يسهّل استغلال بياناتهم الشخصية وتوظيفها لأغراض تخريبية.


تدريبات عملية لكشف الصور والفيديوهات المزيفة

من جانبها، أوضحت الإعلامية فاطمة أحمد حسين أن الندوة لم تقتصر على الجانب النظري، بل تضمنت تدريبات عملية مكثفة للحضور حول كيفية كشف الصور والفيديوهات المزيفة، وتحليل الأخبار المضللة، والتفريق بين المحتوى الحقيقي والمحتوى المشبوه.

وأضافت أن الحل يبدأ من الفرد نفسه، عبر خطوات بسيطة مثل:

الحذر من الإعلانات والهدايا الوهمية.

عدم الموافقة العشوائية على استخدام البيانات الشخصية.

التحقق من المصدر قبل المشاركة.

التوقف فورًا عند أي محتوى مثير أو غير منطقي.


خطة توعية شاملة في أسيوط

من جهتها، أعلنت الأستاذة عبير جمعة، مدير مجمع إعلام أسيوط، أن هذه الندوة تأتي ضمن حملة كبرى للتوعية بمخاطر الشائعات برعاية الدكتور أحمد يحيى، رئيس قطاع الإعلام الداخلي بالهيئة العامة للاستعلامات. وأوضحت أن هناك خطة لتعميم هذه الحملة على المدارس والجامعات والنوادي الشبابية في جميع أنحاء المحافظة، بهدف الوصول إلى أكبر عدد ممكن من المواطنين.

وأكدت أن المستهدفين من هذه الحملات المضادة هم بالأساس صنّاع الرأي والمؤثرون في مختلف القطاعات، نظرًا لتأثيرهم المباشر على الجمهور، مشددة على ضرورة رفع وعيهم لمواجهة الهجمات الرقمية التي تستهدف الثقة بين المواطن والدولة.


أمثلة واقعية لكشف الشائعات

استعرضت الندوة عددًا من الأمثلة الواقعية للشائعات التي انتشرت في المجتمع خلال الفترة الماضية، وكيف تم تحليلها وتفكيكها وكشف حقيقتها، سواء كانت مُصنّعة يدويًا عبر صفحات مجهولة أو عبر أدوات الذكاء الاصطناعي.

هذه الأمثلة أظهرت أن هناك احترافية عالية في صناعة التضليل، وهو ما يستدعي مضاعفة الجهود الرسمية والشعبية لمكافحتها.


خاتمة: مسؤوليتنا جميعًا

خلصت الندوة إلى أن مواجهة الشائعات لم تعد مسؤولية المؤسسات الرسمية وحدها، بل هي واجب جماعي يبدأ من الفرد العادي. فالتوقف للحظة قبل الضغط على زر “مشاركة” قد يكون كافيًا لإنقاذ المجتمع من موجة تضليل جديدة.

“إذا توقف كل فرد عن مشاركة المحتوى المضلل، سنكون قد سدينا أكبر ثغرة يستغلها صناع الشائعات.” – د. أيمن عياد

وبذلك، وجهت ندوة مجمع إعلام أسيوط رسالة قوية مفادها أن الوعي هو خط الدفاع الأول في معركة الشائعات، وأن مواجهة هذا “المصنع الخفي” تبدأ من عقل وقلب كل مواطن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى