حوادث

غـ رق عامل شاب من أسيوط أثناء استراحته من العمل في مشروع صرف صحي بالأقصر: قصة وداع موجعة على ضفاف النيل

أصالة وطن

في صباح هادئ من أيام أغسطس الحارقة، خرج الشاب محمد محمد سيد محمد، ابن قرية درنكة التابعة لمحافظة أسيوط، حاملاً بين ضلوعه حلمًا بسيطًا: أن يعود آخر اليوم برزق حلال يعين به أسرته على الحياة. لم يكن يعلم أن خطوته تلك ستكون الأخيرة، وأن مياه نهر النيل ستبتلعه في لحظة كان يظنها لحظة انتعاش قصيرة من حرارة الطقس.

رحلة البحث عن لقمة العيش… ونهايتها المفجعة
محمد، البالغ من العمر 29 عامًا، كان يعمل عاملًا أجريًا في مشروع حفر خط الصرف الصحي بقرية وابورات المطاعنة، التابعة لمركز إسنا بمحافظة الأقصر. قَطَع عشرات الكيلومترات من بلدته في صعيد مصر إلى جنوب الأقصر، بحثًا عن العمل، مثل آلاف الشباب الذين لا يملكون رفاهية الانتظار في بيوتهم.

في ذلك اليوم، كانت الشمس ساطعة بقوة، والعرق يبلل ثياب العمال. وأثناء استراحة قصيرة من العمل الشاق، توجه محمد نحو ضفاف النهر، حيث كان نهر النيل ينساب بهدوء، ظاهريًا، لكنه كان يخفي تيارًا قويًا تحت سطحه.

يُروى أن محمد وقف للحظة يتأمل المياه، ربما بابتسامة منهكة، ثم قرر النزول للاستحمام وتخفيف حرارة جسده. إلا أن التيار المفاجئ باغته، وجرفه إلى الأعماق. صرخات زملائه ملأت المكان، لكن دون جدوى. كان قد اختفى.

بلاغ وتحرك سريع من قوات الإنقاذ
تلقت مديرية أمن الأقصر بلاغًا عاجلًا يُفيد بغرق شاب في مياه نهر النيل أثناء الاستراحة من العمل. وعلى الفور، وجه اللواء محمد رفعت، مساعد مدير أمن الأقصر لفرقة الجنوب، تعليماته بتكثيف عمليات البحث.

انتقلت إلى موقع الحادث:

فرق الإنقاذ النهري بمدينة إسنا.

اللواء محمد رفعت، مساعد مدير الأمن.

العميد أسر البطراوي، مأمور مركز شرطة إسنا.

المقدم محمد المغربي، رئيس مباحث المركز.

الرائد علي شعبان، رئيس وحدة الحماية المدنية والإنقاذ النهري بإسنا.

وبدأت عمليات التمشيط المكثفة على طول المنطقة المحيطة بـ ميناء الملك فاروق في قرية وابورات المطاعنة، حيث اختفى الشاب تحت الماء.

انتشال الجثمان وسط أجواء من الحزن
استمرت عمليات البحث عدة ساعات، استخدمت خلالها فرق الإنقاذ معدات متخصصة للغوص والبحث تحت الماء. وفي نهاية اليوم، تمكنت الفرق من انتشال الجثمان.

جسد محمد خرج من النهر ساكنًا، وكأن النيل قرر أخيرًا الإفراج عنه، ليعود إلى ذويه، لا كما كانوا ينتظرونه محمّلًا بالرزق، بل في صندوق خشبي مغطى بملاءة بيضاء، يحمل معه صدمة لن تمحوها الأيام من قلوب أهله وأصدقائه.

جرى نقل الجثمان إلى مشرحة مستشفى إسنا التخصصي، وتحرر محضر بالواقعة، وأُخطرت النيابة العامة لتباشر التحقيقات، وتحديد الملابسات النهائية للحادث.

شهادات من موقع الحادث: “كان يبحث عن لحظة راحة فقط”
قال أحد زملائه في العمل:

“الجو كان نار، وإحنا بنشتغل في الحفر من الصبح، ومحمد كان متعب جدًا. قال إنه هينزل يبل نفسه ويطلع. اللي حصل إنه نزل، واختفى فجأة. التيار شدّه، ومحدش قدر يعمل حاجة.”

وأضاف آخر:

“هو مش أول واحد يغرق في المكان ده. لازم يكون في رقابة أو توعية للناس بخطورة السباحة في النيل في الأماكن دي، خاصة لما يكون التيار قوي.”

مأساة تتكرر على ضفاف النيل
تكررت خلال الأعوام الأخيرة حوادث الغرق في نهر النيل، خصوصًا في شهور الصيف، حيث يلجأ الشباب إلى النهر هربًا من الحر، دون إدراك لحجم الخطر. وغالبًا ما تكون هذه الحوادث مرتبطة بعدم القدرة على السباحة، أو وجود تيارات مفاجئة في مناطق غير مخصصة للنزول.

وفي الوقت الذي يُمثل فيه نهر النيل شريان حياة للمصريين، فإنه يتحول أحيانًا إلى مصيدة قاتلة، تبتلع أرواحًا بريئة تبحث عن لحظة انتعاش في يوم عمل شاق، كما حدث مع محمد.

من المسؤول؟ أسئلة مشروعة
يثير هذا الحادث أسئلة كثيرة عن:

دور الجهات المنفذة للمشروعات في توفير بيئة عمل آمنة للعمال.

ضرورة وجود مناطق استراحة مخصصة، بعيدًا عن مجاري المياه أو المناطق الخطرة.

توفير وسائل توعية للعمال المغتربين، خصوصًا في بيئات مختلفة عن طبيعة قراهم.

تعزيز وجود نقاط إنقاذ نهري دائمة في المناطق المعروفة بخطورة تياراتها.

حزن في درنكة… واستقبال لا يشبه المتوقع
في قرية درنكة بأسيوط، كان المشهد مختلفًا عن بداية اليوم. أهل الشاب انتظروا مكالمة أو زيارة يخبرهم فيها بأنه بخير، وربما يعود قريبًا. لكن الخبر جاءهم كالصاعقة: “محمد غرق”.

قال أحد جيرانه:

“هو كان شاب بسيط، زي ناس كتير بتسافر تشتغل في أي حاجة علشان يعيّش أهله. كان نفسه يفرح، يتجوز، يفتح بيت. رجع في صندوق.”

ختامًا: لقمة العيش لا يجب أن تُكلّف الحياة
حادثة غرق محمد محمد سيد محمد هي ليست مجرد خبر عابر، بل قصة إنسانية موجعة تفتح الباب أمام النقاش الجاد حول سلامة العمال في المواقع المفتوحة، خصوصًا مع ارتفاع درجات الحرارة، وافتقار بعض المشروعات للبنية التحتية التي توفر الحماية والراحة للعاملين بها.

كما تعيد تسليط الضوء على حالات الغرق في نهر النيل، وضرورة التعامل معها بمنظور مختلف، لا يكتفي بالبحث بعد وقوع الكارثة، بل يبدأ من الوقاية والوعي والتخطيط المسبق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى