“الإيجار القديم أمام الدستورية من جديد.. معركة الطرد تشتعل” “الإيجار القديم على أبواب التغيير.. والدستورية تراجع شروط الطرد”

محتويات
كتب أحمد الريس
المحكمة الدستورية تعيد نظر دعوى عدم دستورية مادة في “الإيجار القديم” للمفوضين: جدل مستمر حول شروط الطرد
الطعن يطال الفقرة الأولى من المادة 18.. وخبراء: القانون بحاجة إلى توازن بين حق المالك والمستأجر

أعادت المحكمة الدستورية العليا، برئاسة المستشار بولس فهمي، الدعوى رقم 90 لسنة 42 دستورية، والتي تطعن على الفقرة الأولى من المادة 18 من القانون رقم 136 لسنة 1981 المعروف بقانون “الإيجار القديم”، إلى هيئة المفوضين بالمحكمة لاستكمال التحضير.
وتتعلق الدعوى بشروط طرد المصريين وغير المصريين المستأجرين بنظام الإيجار القديم بعد انتهاء مدة التعاقد، وهو ما فتح مجددًا باب الجدل القانوني والاجتماعي حول قانون الإيجار القديم، وتوازن الحقوق بين المالك والمستأجر، وسط مطالب متباينة ما بين التعديل الجذري والحفاظ على البعد الاجتماعي للقانون.
ما هي المادة محل الطعن في قانون الإيجار القديم؟
تنص الفقرة الأولى من المادة 18 من القانون رقم 136 لسنة 1981، التي تم الطعن على دستوريتها، على أنه:
“لا يجوز للمؤجر أن يطلب إخلاء المكان ولو انتهت المدة المتفق عليها في العقد إلا لأحد الأسباب الآتية…”
ثم تفصل المادة هذه الأسباب، وهي:
(أ) الهدم الكلي أو الجزئي للمنشآت الآيلة للسقوط.
(ب) عدم سداد الإيجار بعد مرور 15 يومًا من الإنذار الرسمي.
(ج) التنازل عن العين المؤجرة أو تأجيرها من الباطن دون إذن.
(د) استخدام العين المؤجرة بطريقة تضر بالصحة العامة أو النظام العام.
ويرى مقيمو الدعوى أن هذه الفقرة تُخل بمبدأ المساواة وحرية التعاقد، وتفرض قيودًا طويلة الأمد على حق المالك في استرداد ملكيته، حتى بعد انتهاء مدة العقد المتفق عليها.
خلفيات الطعن: من يملك حق الإخلاء بعد انتهاء العقد؟
يرتكز الطعن على أن القانون الحالي يمنع المالك من استرداد الوحدة السكنية حتى بعد انتهاء العقد، ما يشكل قيدًا على الحقوق الدستورية المتعلقة بالملكية الخاصة وحرية التعاقد.
وقد أثارت هذه المادة جدلاً واسعًا في الأوساط القانونية والاجتماعية، حيث يرى مؤيدو التعديل أن الإبقاء على هذه المادة “يخل بحقوق الملاك ويؤدي إلى أزمات في سوق العقارات”، في حين يرى المعارضون أن إلغاءها “قد يؤدي إلى طرد آلاف الأسر البسيطة من مساكنها”.
رأي المحكمة: خطوة إجرائية لاستكمال التحضير
بحسب ما أعلنت المحكمة الدستورية العليا، فإن إعادة الدعوى إلى هيئة المفوضين لا يعني رفض الطعن، بل خطوة إجرائية ضرورية لاستكمال التحضير القانوني، بما يشمل تقديم المذكرات القانونية والاستماع إلى آراء الأطراف المعنية.
وستقوم هيئة المفوضين بإعداد تقرير قانوني بالرأي الاستشاري، يعرض لاحقًا على هيئة المحكمة لاتخاذ القرار النهائي بشأن دستورية المادة المطعون عليها.
قانونيون: المادة تعاني من خلل في توازن الحقوق
يقول المستشار طارق عبد العظيم، نائب رئيس مجلس الدولة سابقًا، إن “المادة 18 في صيغتها الحالية تضع عبئًا طويل الأمد على الملاك، حيث تمنعهم من التصرف في ملكياتهم بحرية حتى بعد انتهاء العلاقة التعاقدية، وهو ما قد يُخالف المبادئ الدستورية في بعض الحالات”.
وأضاف أن المشرّع عند وضع هذا القانون في الثمانينات كان يستهدف حماية المستأجرين في فترة اقتصادية صعبة، ولكن الأوضاع تغيرت، وبات من الضروري إعادة النظر في النصوص التي لم تعد تلائم العصر.
في المقابل، ترى المحامية نجوى عبد الفتاح أن الطرد بعد انتهاء العقد دون ضوابط واضحة “قد يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار الاجتماعي”، مشيرة إلى أن هناك أسرًا استقرت في مساكن الإيجار القديم منذ عقود، وأن تعديل القانون يجب أن يراعي الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية، لا أن يتم على نحو مفاجئ.
ما هو مصير قانون الإيجار القديم؟
تأتي هذه الدعوى في ظل تحركات متزايدة نحو تعديل قانون الإيجار القديم، خاصة بعد تعديلات سابقة شملت الأماكن غير السكنية والمؤجرة للأشخاص الاعتبارية (كالشركات والهيئات).
وما تزال الحكومة تدرس سيناريوهات تعديل القانون الخاص بالإيجارات السكنية، وسط مطالب بإيجاد حلول “تدريجية ومتوازنة” تضمن حق المالك، وتحمي المستأجر من الطرد الفوري.
وتشير مصادر برلمانية إلى أن التعديلات المرتقبة قد تشمل وضع حد أقصى لسن التعاقد، أو زيادة تدريجية في القيمة الإيجارية على مدار سنوات محددة، تمهيدًا للوصول إلى الإيجار الحر، دون الإخلال بحق السكن للمواطنين.
أرقام وإحصاءات:
تشير التقديرات غير الرسمية إلى أن عدد الوحدات المؤجرة بنظام الإيجار القديم في مصر يصل إلى 2.5 مليون وحدة.
أكثر من 12 مليون مواطن يقيمون بوحدات تخضع لهذا النظام، غالبيتهم من محدودي ومتوسطي الدخل.
نحو 80% من هذه الوحدات تقع في مناطق حيوية داخل القاهرة والجيزة والإسكندرية، مما يجعلها محل اهتمام المستثمرين وسوق العقارات.
ما المنتظر بعد إحالة الدعوى للمفوضين؟
يتوقع خبراء قانونيون أن يصدر تقرير هيئة المفوضين خلال الأشهر القليلة المقبلة، وفيه تقدم رأيها القانوني بشأن مدى توافق الفقرة المطعون عليها مع نصوص الدستور.
ثم تنعقد جلسة علنية بالمحكمة الدستورية العليا للفصل في الدعوى، وقد تقرر المحكمة:
رفض الطعن وبالتالي الإبقاء على المادة كما هي.
أو قبول الطعن كليًا أو جزئيًا، بما قد يترتب عليه تغيير في القوانين الحاكمة لعلاقة المالك بالمستأجر.
وفي كل الأحوال، فإن الحكم الصادر عن المحكمة الدستورية العليا سيكون نهائيًا وملزمًا لجميع السلطات، وله قوة القانون.
الختام: هل نحن على أعتاب تغيير جذري؟
تأتي هذه الخطوة في توقيت حساس، يعيد إلى الواجهة التساؤل حول مستقبل الإيجار القديم في مصر، وما إذا كانت هذه الدعوى ستشكل نقطة الانطلاق نحو إعادة هيكلة قانون الإيجارات بما يحقق “عدالة التوازن بين المالك والمستأجر”.
يبقى الأمل أن تتم التعديلات – إن تمت – في إطار يحترم حقوق الطرفين، ويراعي الأبعاد الإنسانية والاجتماعية لعقود مضى عليها أكثر من نصف قرن، وباتت الآن بحاجة إلى إعادة نظر تليق بمستقبل سوق الإسكان المصري.



