المرأة الريفية المنتجة ودورها في التنمية المستدامة.. رؤية تحليلية من د/ أسماء جابر مهران
شعار المرأة الريفية المنتجة مفتاح لنجاح المجتمع
د/ أسماء جابر مهران تكتب
في ظل ما يشهده الريف المصري من تحولات تنموية متسارعة، تظل المرأة الريفية إحدى أهم ركائز البناء الاجتماعي والاقتصادي، ليس فقط باعتبارها عنصرًا داخل الأسرة، بل باعتبارها قوة إنتاجية فاعلة تسهم في صياغة ملامح التنمية المحلية وتدعم استقرار المجتمع من الداخل.
ويأتي شعار “المرأة الريفية المنتجة مفتاح لنجاح المجتمع” ليعكس حقيقة راسخة تؤكدها التجارب الواقعية قبل الدراسات الأكاديمية، مفادها أن أي مشروع تنموي لا يمكن أن يحقق استدامته دون تمكين حقيقي للمرأة، خاصة في المناطق الريفية التي تعتمد بشكل كبير على الجهد الأسري والعمل غير الرسمي في دعم الاقتصاد المحلي.
المرأة الريفية… من الدور التقليدي إلى الفاعلية الاقتصادية
لم تعد المرأة الريفية اليوم حبيسة الأدوار التقليدية داخل المنزل، بل أصبحت شريكًا رئيسيًا في الإنتاج، سواء من خلال المشروعات الصغيرة أو الأنشطة الزراعية أو الحرف اليدوية أو الصناعات الغذائية المنزلية.
هذا التحول لم يحدث بشكل عشوائي، بل جاء نتيجة تراكمات من الجهود التنموية والمبادرات الحكومية والمجتمعية التي استهدفت دمج المرأة في الاقتصاد الرسمي وغير الرسمي، وتوفير التدريب والدعم الفني والتمويل اللازم لتحويل طاقاتها إلى إنتاج فعلي ملموس.
وتشير العديد من النماذج الناجحة في القرى المصرية إلى أن المرأة الريفية أصبحت قادرة على إدارة مشروعات صغيرة تحقق دخلًا مستقرًا للأسرة، وتساهم في تقليل معدلات الفقر، بل وتفتح آفاقًا جديدة للتنمية الذاتية داخل المجتمع المحلي.
ملتقى المرأة الريفية المنتجة… منصة للتمكين والتطوير
في هذا السياق، يأتي تنظيم ملتقى المرأة الريفية المنتجة في نسخته الثانية ليؤكد أن التنمية الحقيقية لا تتحقق بالمبادرات المؤقتة، بل بالبرامج المستدامة التي تُبنى على التقييم والتطوير المستمر.
فبعد النجاح الذي حققته النسخة الأولى، يعود الملتقى ليواصل دوره في دعم المرأة الريفية، عبر تقديم نماذج ملهمة وتجارب ناجحة، إلى جانب فتح مساحات للحوار بين الجهات التنفيذية والبحثية والمجتمع المدني.
ويهدف الملتقى إلى ترسيخ مفهوم جديد للتمكين، لا يقتصر على الدعم المادي فقط، بل يمتد ليشمل بناء القدرات، وتطوير المهارات، وتعزيز ثقافة ريادة الأعمال بين النساء في الريف.
شراكة مؤسسية تعكس وعيًا تنمويًا متقدمًا
يمثل هذا الحدث نموذجًا مهمًا للتكامل المؤسسي، حيث ينظمه مركز رصد ودراسة المشكلات المجتمعية التابع لقطاع خدمة المجتمع وتنمية البيئة، بالتعاون مع المجلس القومي للمرأة فرع أسيوط، وجهاز تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
هذا التعاون يعكس رؤية متكاملة تدرك أن قضايا المرأة الريفية لا يمكن معالجتها من زاوية واحدة، بل تحتاج إلى تضافر الجهود بين البحث العلمي والتطبيق العملي والدعم المجتمعي.
فالمراكز البحثية تقوم برصد التحديات وتحليلها، بينما توفر الأجهزة التنفيذية أدوات الدعم والتمويل والتدريب، ويأتي دور المجلس القومي للمرأة ليكون حلقة وصل فاعلة في ضمان وصول الدعم إلى مستحقيه بشكل عادل وفعال.
التمكين الاقتصادي… حجر الأساس للتنمية المستدامة
يُعد التمكين الاقتصادي للمرأة الريفية أحد أهم محاور التنمية المستدامة، حيث يمثل نقطة تحول حقيقية في حياة الأسرة الريفية.
فامتلاك المرأة لمصدر دخل مستقل لا ينعكس فقط على تحسين مستوى المعيشة، بل يساهم أيضًا في تعزيز مكانتها داخل الأسرة، وزيادة قدرتها على اتخاذ القرار، وتحقيق قدر أكبر من التوازن الاجتماعي.
كما أن دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تديرها النساء في الريف يسهم في خلق فرص عمل جديدة، وتنشيط الحركة الاقتصادية داخل القرى، وتقليل معدلات الهجرة إلى المدن.
المرأة الريفية ودورها الاجتماعي والتربوي
لا يقتصر دور المرأة الريفية على الجانب الاقتصادي فقط، بل يمتد ليشمل دورًا اجتماعيًا وتربويًا محوريًا، فهي المسؤولة الأولى عن تنشئة الأجيال وغرس القيم الأخلاقية والانتماء الوطني داخل الأسرة.
ومن هنا، فإن تمكين المرأة لا يعني فقط تحسين دخلها، بل يعني أيضًا الاستثمار في بناء أجيال أكثر وعيًا واستقرارًا، قادرة على المشاركة الإيجابية في المجتمع.
كما أن تمكين المرأة يساهم في تعزيز الاستقرار الأسري والحد من العديد من الظواهر الاجتماعية السلبية، من خلال تقوية الروابط الأسرية وتحقيق قدر أكبر من التوازن داخل المجتمع الريفي.
من المبادرات إلى الاستدامة
إن التجارب التنموية الناجحة تؤكد أن الاستمرارية هي العنصر الأهم في أي مشروع تنموي، وأن المبادرات مهما كانت قوية تظل بحاجة إلى تطوير وتحويلها إلى برامج مستدامة قابلة للقياس والتقييم.
ومن هذا المنطلق، يمثل ملتقى المرأة الريفية المنتجة خطوة مهمة نحو ترسيخ هذا المفهوم، من خلال البناء على نتائج النسخة الأولى وتوسيع نطاق التأثير ليشمل أكبر عدد من المستفيدات.
كما يسعى الملتقى إلى خلق بيئة داعمة لريادة الأعمال النسائية في الريف، عبر توفير التدريب، والدعم الفني، وربط المشروعات الصغيرة بالأسواق المحلية والخارجية.
رؤية تحليلية
تؤكد د/ أسماء جابر مهران أن الحديث عن المرأة الريفية المنتجة لم يعد مجرد طرح اجتماعي، بل أصبح ضرورة تنموية واقتصادية لا يمكن تجاهلها، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية التي تتطلب تعظيم الاستفادة من كافة الطاقات البشرية المتاحة.
وترى أن الاستثمار في المرأة الريفية هو استثمار مباشر في استقرار المجتمع، وفي تحسين جودة الحياة داخل القرى، وفي بناء اقتصاد محلي أكثر توازنًا واستدامة.
ختامًا
تبقى المرأة الريفية المنتجة حجر الأساس في أي مشروع تنموي حقيقي، فهي ليست فقط عنصرًا داعمًا، بل شريكًا رئيسيًا في صناعة المستقبل.
ومع استمرار الجهود المؤسسية وتكامل الأدوار بين الجهات المختلفة، يصبح من الممكن تحويل هذا الشعار إلى واقع ملموس، ينعكس على حياة الأسر الريفية، ويعزز من قوة المجتمع وقدرته على مواجهة التحديات.
وفي النهاية، فإن تمكين المرأة الريفية ليس رفاهية تنموية، بل هو ضرورة استراتيجية لبناء مجتمع أكثر عدالة واستقرارًا وتنمية.
أقرا أيضا

