أحمد صادق يكتب: مستشارون بالمحافظات.. أسئلة مشروعة عن الجدوى والإنفاق

بقلم: أحمد صادق
في الوقت الذي تعاني فيه محافظات الصعيد من تحديات متراكمة على مستوى الخدمات والبنية التحتية، تبرز إلى السطح تساؤلات مشروعة حول أوجه الإنفاق داخل دواوين المحافظات، وعلى رأسها ملف المستشارين، الذي بات يثير جدلًا واسعًا في الشارع المحلي، دون إجابات واضحة أو بيانات رسمية كاشفة.
ليس من الغريب أن يتساءل المواطن البسيط: لماذا هذا العدد الكبير من المستشارين؟ وما طبيعة أدوارهم؟ وهل ما يتقاضونه من مكافآت يتناسب مع حجم ما يقدمونه من مردود حقيقي على أرض الواقع؟
مستشار لكل ملف.. لكن أين النتائج؟
تشير الوقائع المتداولة إلى وجود مستشارين في مجالات متعددة داخل بعض المحافظات، تشمل الجوانب القانونية والفنية والإعلامية والتعليمية والصحية والعلاقات العامة، وغيرها من التخصصات، وهي مجالات يفترض أن تكون ضمن الاختصاص الأصيل للأجهزة التنفيذية والإدارات الفنية القائمة بالفعل.
وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة:
إذا كانت المحافظة تضم إدارات متخصصة، ومديريات قائمة، وكوادر وظيفية تتقاضى رواتبها من الدولة، فلماذا نلجأ إلى هذا التوسع في التعيينات الاستشارية؟
وهل نحن أمام ضرورة إدارية حقيقية أم ترتيبات شكلية تُثقل كاهل الموازنة دون عائد ملموس؟
مكافآت بلا شفافية
الأخطر من عدد المستشارين هو غياب الشفافية حول ما يتقاضونه من مكافآت وبدلات، فلا توجد أرقام معلنة، ولا تقارير دورية تشرح طبيعة التعاقدات أو مدتها أو معايير اختيار هؤلاء المستشارين.
في ظل أزمة اقتصادية عالمية، وضغوط داخلية تتطلب ترشيد كل جنيه من المال العام، يصبح من غير المقبول أن تظل بنود المكافآت حبيسة الأدراج، بعيدًا عن أعين الرأي العام، وكأنها أمر لا يعني المواطن.
المال العام أمانة
المال العام ليس رقمًا في موازنة، بل هو عرق مواطن، وحق قرية تنتظر رصف طريق، ومستشفى يحتاج جهازًا، ومدرسة تعاني من عجز في الفصول.
ومن ثم، فإن أي إنفاق لا يحقق قيمة مضافة حقيقية يجب أن يخضع للمراجعة، لا للمجاملات أو الحسابات الضيقة.
إن ترشيد الإنفاق لا يعني التقشف الأعمى، لكنه يعني إعادة ترتيب الأولويات، وتوجيه الموارد إلى حيث يكون الأثر مباشرًا وواضحًا على حياة الناس.
الإدارة المحلية بين الحاجة للإصلاح والواقع المعقد
يعاني نظام الإدارة المحلية في مصر منذ سنوات من تضخم إداري، وتشابك في الاختصاصات، وغياب آليات التقييم والمحاسبة، وهو ما يجعل ملف المستشارين جزءًا من أزمة أوسع، تتطلب إصلاحًا تشريعيًا وإداريًا شاملًا، وليس مجرد مسكنات مؤقتة.
فالإصلاح الحقيقي يبدأ من:
تحديد دقيق للاختصاصات
تقليص الازدواجية في الأدوار
وضع معايير معلنة لاختيار القيادات والمستشارين
ربط المكافآت بالأداء والنتائج
أسئلة بلا إجابات
حتى الآن، لا تزال أسئلة كثيرة بلا إجابة:
كم عدد المستشارين داخل كل محافظة؟
ما طبيعة مهامهم الفعلية؟
ما حجم ما يتقاضونه سنويًا؟
وما هو مردود ذلك على تحسين الخدمات؟
وهي أسئلة لا تستهدف التشهير، بقدر ما تعكس حقًا أصيلًا للمجتمع في المعرفة والمساءلة.
كلمة أخيرة
ليس من العيب أن نستعين بالخبرات، لكن العيب أن تتحول الاستشارة إلى باب مفتوح للإنفاق غير المبرر.
وليس من الخطأ طرح الأسئلة، بل الخطأ الحقيقي هو الصمت.
فالإدارة الرشيدة لا تخشى الشفافية، ومن يعمل لصالح المواطن لا ينزعج من المحاسبة، لأن الثقة تُبنى بالوضوح، لا بالغموض.

