أعلامبرلمانسوشيال ميديا

أحمد صادق يكتب: أسيوط والانتخابات القادمة.. صراع الكرسي بين الحشد الشعبي وأزمة الثقة

بقلم أحمد صادق

لم يتبقَ الكثير على انطلاق ماراثون الانتخابات البرلمانية المقبلة بمجلسي الشيوخ والنواب، وها هي محافظة أسيوط، كعادتها، تعود إلى بؤرة المشهد الانتخابي بتركيبتها الخاصة، وصراعاتها المعقدة التي تعكس طبيعة الجنوب بكل ما يحمله من ثقل قبلي، وعصبية عائلية، وخريطة حزبية مرتبكة، وشخصيات عامة لها حضورها الطاغي في دوائرها.

ورغم أن الشارع السياسي في أسيوط بدأ يستعيد بعضاً من زخمه، فإن السؤال يظل مطروحًا بقوة: هل تنجح الأحزاب السياسية والمرشحون -سواء على القوائم الحزبية أو الفردية- في حشد المواطنين إلى صناديق الاقتراع، أم أن المشهد سيكون باهتًا كما جرى في دورات سابقة؟ وهل سيبقى الكرسي البرلماني مجرد صراع مصالح ونفوذ بين العائلات، أم أن هناك وعياً جديداً يتشكل داخل الشارع الأسيوطي قد يعيد صياغة قواعد اللعبة؟

لا يمكن الحديث عن الانتخابات في أسيوط دون أن نتوقف أمام البنية القبلية والاجتماعية للمحافظة. فأسيوط ليست فقط مدينة الصعيد العريقة، لكنها أيضًا مجتمع شديد التشابك من حيث الانتماءات العائلية والقبلية. القبيلة في أسيوط ليست مجرد هوية اجتماعية، لكنها أيضًا صندوق أصوات متنقل يحدد بوصلة الانتخابات. ومن هنا تبدأ معركة الحشد: من ينجح في ضمان ولاء العائلات الكبرى، يقترب من الكرسي البرلماني.

وفي دوائر مثل البداري وساحل سليم وأبوتيج، تبرز هذه المعادلة بقوة؛ حيث تتحكم العائلات في دفة التصويت، وتتحول الانتخابات إلى ما يشبه الاستفتاء القبلي. وبينما يظن البعض أن هذا الواقع قد تغير مع تطور التعليم وانتشار وسائل التواصل، إلا أن الحقيقة على الأرض تقول إن العصبية القبلية لا تزال قادرة على قلب الموازين.

من ناحية أخرى، لا تزال الأحزاب السياسية تعاني في أسيوط من أزمة حضور حقيقي. فباستثناء أحزاب تقليدية مثل “الوفد” و”المصري الديمقراطي” و”مستقبل وطن”، فإن بقية الكيانات الحزبية تكاد تكون غائبة عن المشهد. حتى هذه الأحزاب الكبرى، حضورها في كثير من الأحيان يرتبط بوجوه بعينها وليس بمشروعات حزبية متكاملة.

الأحزاب لم تنجح بعد في بناء كوادر جماهيرية قادرة على التواصل مع الشارع وتقديم برامج واقعية تمس مشكلات المواطن الأسيوطي. فالناس هنا مشغولة بملفات ملحة مثل البطالة، الهجرة غير الشرعية، ضعف الخدمات الصحية والتعليمية، وغياب فرص التنمية، بينما الأحزاب تتعامل مع الانتخابات كموسم مؤقت يظهر فيه اللافتات والصور وتختفي بعد انتهاء التصويت.

ورغم ضعف الأحزاب، يظل الرهان قائما على بعض الشخصيات العامة التي نجحت في فرض نفسها بقوة داخل الشارع الأسيوطي. أسماء مثل نواب الدورات السابقة، ورجال الأعمال الكبار، وأساتذة الجامعات، وقيادات عائلية معروفة، هؤلاء هم من يصنعون حالة الحشد والتعبئة بفضل نفوذهم الاجتماعي والاقتصادي.

هذه الشخصيات غالبًا ما تميل إلى الترشح على النظام الفردي أكثر من القوائم الحزبية، لأنهم يدركون أن شعبية العائلة والمكانة الاجتماعية أقوى من أي حزب. لكن هذا الواقع يطرح سؤالًا مقلقًا: إلى متى تظل الكفاءة البرلمانية مرتبطة بالنفوذ لا بالمشروع السياسي؟ وهل يحق لنا أن نأمل في برلمان يعبر عن الناس بقدر ما يعبر عن العائلات؟

أحد التحديات التي تهدد نسبة المشاركة في أسيوط هو العزوف الشعبي، خاصة في ظل حالة الإحباط العام من أداء المجالس النيابية السابقة. كثير من المواطنين باتوا يرون أن البرلمان لم يغير شيئًا في حياتهم، وبالتالي لا جدوى من الذهاب للتصويت.

وقد يتضاعف هذا العزوف مع غياب المنافسة الحقيقية أو الشعور بأن النتائج محسومة سلفًا لصالح مرشحين بعينهم يمتلكون المال والنفوذ والعائلة. لذا فإن الرهان على رفع نسب المشاركة مرتبط بقدرة المرشحين على مخاطبة هموم الناس الحقيقية، لا مجرد شعارات انتخابية جوفاء.

اللافت في انتخابات أسيوط أن الدعاية الانتخابية لم تعد حكرًا على اللافتات والمؤتمرات الحاشدة. فالسوشيال ميديا أصبحت أداة رئيسية للمرشحين، لكنها لا تزال أقل فاعلية في القرى والمراكز الريفية حيث تبقى القهوة البلدي ومجالس العائلات هي المنصة الأكثر تأثيرًا.

انتخابات

المرشحون الأذكياء يدركون أن كسب معركة الوعي الانتخابي يتطلب الحضور الميداني، وتقديم الوعود القابلة للتنفيذ، وربط مصالح الناس بأجندتهم التشريعية، وليس فقط بالهدايا العينية أو وعود الوظائف الوهمية.

في نهاية المطاف، ستظل معركة الكرسي البرلماني في أسيوط معركة نفوذ بالأساس، يحكمها من يملك القدرة على الحشد، ومن ينجح في الجمع بين المال، والنفوذ، والمكانة الاجتماعية. الصراع في الانتخابات القادمة قد يكون أشد شراسة، خاصة مع عودة بعض الأسماء الثقيلة التي غابت عن الساحة في دورات سابقة، وظهور وجوه شابة طامحة تحاول اختراق الحواجز التقليدية.

ويبقى الأمل أن يتغير شكل المنافسة قليلًا ليأخذ طابعًا أكثر وعيًا، فلا نريد فقط من يمثل القبيلة أو العائلة، بل من يمثل هموم المواطن في أسيوط، من يستطيع أن ينقل معاناته تحت قبة البرلمان، ويسعى لسن تشريعات تنهض بالمحافظة وتفتح أمامها أفقًا جديدًا في التنمية.

رغم أن المؤشرات المبدئية تضع بعض الأسماء في صدارة المشهد الانتخابي، إلا أن السياسة لا تعرف اليقين. فقد تحمل الأيام القادمة مفاجآت إذا ما نجحت بعض الحملات الانتخابية في كسر الحواجز النفسية مع الناخبين، وتحفيزهم على المشاركة بجدية.

كما أن الرهان على الشباب والمرأة في أسيوط قد يكون له دور فاعل إذا ما تمت مخاطبة هذه الفئات بذكاء سياسي وبرامج تعبر عن تطلعاتهم. وإذا ما استمر الخطاب الانتخابي على ذات الوتيرة التقليدية، فسنظل ندور في ذات الدائرة المغلقة: صراع على الكرسي لمصلحة أصحاب الحظوة، بينما تظل أسيوط في مكانها تبحث عن ممثلين حقيقيين لقضاياها الملحة.

في أسيوط.. الانتخابات القادمة ليست مجرد استحقاق دستوري، بل هي اختبار حقيقي لمدى نضج الشارع السياسي، ووعي الناخب، وقدرة الأحزاب والمرشحين على تقديم بدائل حقيقية بعيدًا عن استغلال العائلات والمال السياسي. الصراع سيكون شرسًا، والمفاجآت واردة، لكن الثابت الوحيد أن أسيوط تستحق ما هو أفضل من مجرد صراع على كرسي!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى