أحمد صادق يكتب: توجيهات الرئيس لتيسير إنشاء المصانع تفتح الطريق أمام طفرة صناعية ونمو اقتصادي
بقلم: أحمد صادق رئيس مجلس الإدارة
حين نتحدث عن مستقبل الاقتصاد المصري، فإن الصناعة يجب أن تكون في قلب المشهد، لا باعتبارها مجرد قطاع من قطاعات الاقتصاد، وإنما باعتبارها أحد الأعمدة الرئيسية التي يمكن أن تستند إليها الدولة في بناء اقتصاد أكثر إنتاجا وقدرة على المنافسة والاستمرار.
ومن هذا المنطلق، تأتي توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن تيسير الإجراءات اللازمة لإنشاء المصانع الجديدة في القطاعات ذات الأولوية، باعتبارها خطوة تحمل أهمية كبيرة للمستثمر والصانع والاقتصاد الوطني في الوقت نفسه.
فالمصنع الذي يبدأ العمل اليوم لا يمثل مجرد منشأة جديدة، بل يمثل حركة إنتاج، وفرص عمل، وسوقا للموردين، وطلبا على الخدمات، ومساحة جديدة أمام الخبرات والكفاءات المصرية، وربما منتجا مصريا يستطيع أن يصل إلى أسواق خارجية وينافس فيها.
الصناعة ليست رفاهية.. بل ضرورة اقتصادية
لقد أثبتت التجارب الاقتصادية أن الدول التي تمتلك قاعدة صناعية قوية تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وتقليل مخاطر الاعتماد المفرط على الخارج.
والصناعة تعني أن ننتج جزءا أكبر مما نستهلك، وأن نحول الخامات والموارد إلى منتجات ذات قيمة أعلى، وأن نمنح رأس المال فرصة للتحول إلى مصانع ومشروعات وفرص عمل بدلا من بقائه بعيدا عن الدورة الإنتاجية.
ولهذا فإن أي خطوة تستهدف تيسير إقامة المصانع وإزالة العقبات أمام المستثمر الجاد تستحق أن ينظر إليها باعتبارها جزءا من معركة أكبر، هي معركة زيادة الإنتاج وبناء اقتصاد حقيقي يقوم على العمل والإنتاج.
المستثمر لا يريد المستحيل.. وإنما يريد الطريق الواضح
أحد أهم مفاتيح النجاح الصناعي هو وضوح الطريق أمام المستثمر.
المستثمر الجاد لا يبحث عن امتيازات استثنائية بقدر ما يبحث عن إجراءات واضحة، وقرارات مستقرة، وسرعة في إنهاء التراخيص، وتوفير الأراضي، والقدرة على معرفة ما له وما عليه منذ اللحظة الأولى.
كل يوم يتم توفيره في دورة إنشاء المصنع يمكن أن يتحول إلى يوم إضافي من الإنتاج، وكل إجراء يتم تبسيطه يمكن أن يوجه مزيدا من الوقت والمال إلى الآلات والتكنولوجيا والتشغيل.
ومن هنا، فإن تيسير الإجراءات ليس مجرد تحسين إداري، وإنما هو في جوهره قرار اقتصادي له انعكاس مباشر على سرعة دوران عجلة الإنتاج.
من استهلاك الخامات إلى صناعة القيمة
القضية لا تتعلق فقط بعدد المصانع التي سيتم إنشاؤها، وإنما بنوعية هذه المصانع وما تضيفه للاقتصاد.
وهنا تبرز أهمية توطين الصناعات المغذية والتكميلية، ودعم الصناعات الهندسية، والسبائك، والمسبوكات، والحراريات وغيرها من الصناعات التي تشكل حلقات أساسية في سلاسل الإنتاج.
فالدولة التي تستورد المكونات الأساسية لمنتجاتها تظل بحاجة إلى الخارج، أما الدولة التي تستطيع بناء منظومة صناعية متكاملة، تبدأ من الخامة وتمتد إلى المنتج النهائي، فإنها تضاعف القيمة المضافة وتوسع قاعدة الإنتاج وتخلق فرصا أكبر للنمو.
وهذا هو التحدي الحقيقي أمام الصناعة المصرية: أن ننتقل من مجرد تصنيع المنتج إلى بناء منظومة صناعية كاملة حوله.
الأرض الصناعية يجب أن تتحول إلى إنتاج
ومن المهم أيضا أن يكون تخصيص الأراضي الصناعية مرتبطا بالهدف الذي خصصت من أجله.
فالأرض الصناعية ليست مجرد مساحة يمكن الاحتفاظ بها لسنوات، وإنما هي مورد اقتصادي يفترض أن يتحول إلى مصنع وإنتاج وعمالة وقيمة مضافة.
ولهذا فإن التعامل الجاد مع الأراضي الصناعية غير المستغلة، وإعادة توجيهها إلى مشروعات قادرة على الإنتاج، يمكن أن يفتح مساحة جديدة أمام المستثمرين الجادين، ويمنح الاقتصاد فرصة للاستفادة من أصول موجودة بالفعل.
وفي المقابل، يجب أن تكون قواعد تخصيص وسحب الأراضي واضحة وشفافة، بما يحقق التوازن بين تشجيع الاستثمار وضمان الاستخدام الأمثل لموارد الدولة.
المصنع الجديد يعني أكثر من وظيفة
عندما نقول إن إنشاء مصنع يوفر فرص عمل، فإننا في الحقيقة نتحدث عن دائرة اقتصادية أوسع بكثير.
فالمصنع يحتاج إلى مهندسين وفنيين وعمال، لكنه يحتاج أيضا إلى شركات نقل، وموردين، وخدمات صيانة، وتعبئة وتغليف، وتسويق، ومحاسبة، وخدمات لوجستية، وغيرها من الأنشطة التي تنشأ حول النشاط الصناعي.
ولهذا فإن التوسع الصناعي يمكن أن يصبح واحدا من أهم الأدوات لخلق فرص العمل وتحسين دخول الأسر ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
والأهم من ذلك أن الصناعة تمنح الشباب فرصة لبناء خبرات ومهارات مرتبطة بالإنتاج الحقيقي، وهو ما يساهم في بناء قوة عمل أكثر ارتباطا باحتياجات الاقتصاد.
الاستثمار الأجنبي.. شريك في بناء الصناعة
جذب الاستثمار الأجنبي إلى القطاع الصناعي يمثل أيضا فرصة مهمة، خاصة عندما يرتبط هذا الاستثمار بنقل التكنولوجيا وفتح أسواق جديدة وزيادة الصادرات وتطوير المهارات المحلية.
لكن النجاح لا يقاس فقط بحجم الأموال التي تدخل الدولة، وإنما بما تتركه هذه الاستثمارات من مصانع وتكنولوجيا وخبرات وفرص عمل وقدرات إنتاجية.
وفي الوقت نفسه، فإن المستثمر المصري يجب أن يكون في قلب هذه المنظومة؛ فالصناعة الوطنية القوية تحتاج إلى تكامل رأس المال والخبرة المحلية مع الاستثمارات والتكنولوجيا العالمية.
الطفرة الصناعية تبدأ من قرار.. وتتحقق بالتنفيذ
قد تكون القرارات والتوجيهات بداية مهمة، لكن الطفرة الصناعية الحقيقية لا تصنعها القرارات وحدها.
إنها تحتاج إلى جهاز إداري سريع وفعال، وتشريعات واضحة، وبنية أساسية قادرة على خدمة المصانع، وتمويل مناسب، وتدريب للعمالة، وربط بين التعليم واحتياجات الصناعة، وسياسات تدعم المنتج المحلي وتفتح أمامه أسواقا جديدة.
والأهم أن يشعر المستثمر بأن الدولة تقف إلى جواره في رحلة إنشاء مشروعه وتشغيله، لا أن تكون العلاقة معه محصورة في مرحلة استخراج التراخيص.
مصر أمام فرصة صناعية تستحق البناء عليها
إن امتلاك مصر لسوق كبيرة، وموقع جغرافي مميز، وقاعدة من العمالة والخبرات، وموارد متنوعة، يجعل أمامها فرصة حقيقية لتعزيز موقعها الصناعي إقليميا.
لكن تحويل هذه المقومات إلى قوة اقتصادية يتطلب الاستمرار في إزالة العقبات، وتشجيع المستثمر الجاد، ودعم الصناعة المحلية، وتوطين التكنولوجيا، وربط الإنتاج بالأسواق المحلية والخارجية.
ومن هنا، فإن توجيهات الرئيس بتيسير إنشاء المصانع يجب أن تكون بداية لمسار متكامل، هدفه أن يصبح إنشاء المصنع أسهل، وتشغيله أسرع، وتوسعه أكثر مرونة، وإنتاجه أكثر قدرة على المنافسة.
كلمة أخيرة
إن مصر لا تحتاج فقط إلى المزيد من المصانع، بل تحتاج إلى صناعة قوية ومتكاملة وقادرة على الاستمرار والمنافسة.
صناعة تنتج ما يحتاجه المواطن، وتوفر فرص العمل للشباب، وتدعم المشروعات الصغيرة، وتستفيد من الخامات المحلية، وتقلل الاعتماد على الاستيراد، وتفتح أبواب التصدير أمام المنتج المصري.
والطريق إلى ذلك يبدأ من تهيئة المناخ المناسب للمستثمر، وتبسيط الإجراءات، وحسن استغلال الأراضي، وتوطين الصناعات، والاستثمار في الإنسان والتكنولوجيا.
وأرى أن توجيهات الرئيس في هذا الاتجاه تحمل رسالة واضحة مفادها أن الإنتاج هو الطريق، والصناعة هي إحدى أهم أدوات بناء اقتصاد قوي، والاستثمار الجاد هو شريك أساسي في صناعة المستقبل.
وإذا نجحنا في تحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس داخل المصانع وخطوط الإنتاج، فإن الحديث عن طفرة صناعية لن يكون مجرد طموح، بل يمكن أن يتحول إلى مسار حقيقي يضيف قوة جديدة للاقتصاد المصري ويفتح آفاقا أوسع للنمو والتنمية.
أقرا ايضا
أصعب إحساس لما تحس إنك ولا حاجة عند إنسان كان بالنسبالك كل حاجة
أحمد صادق يكتب: المسجد الأموي بأسيوط.. حكاية أزهر الصعيد عبر التاريخ
.

