شهادة حق تنتـ ـهي بجـ ـريمة غـ ـدر تهز أسيوط

فاطمة محمود
في واحدة من أبشع الجرائم التي شهدتها محافظة أسيوط مؤخرًا، لقي الشاب محمود أحمد جلال، البالغ من العمر 38 عامًا، مصرعه على يد زميله في العمل، في واقعة مأساوية هزّت مشاعر الأهالي، بعدما تحوّل الصدق والأمانة إلى سببٍ لاغتياله غدرًا.
نشأ محمود في أسرة مصرية بسيطة، اتسمت بالخلق القويم والتدين، وكان معروفًا بين زملائه وأصدقائه بدماثة الخلق وحرصه على مساعدة الآخرين. خريج كلية أصول الدين، عُرف عنه الالتزام وحُسن السيرة، حتى اختير أمينًا لاتحاد الطلاب أثناء دراسته، ليواصل بعد التخرج مسيرة كفاح طويلة بدأت بعمله في مصنع للسكر، قبل أن يلتحق بشركة “أوراسكوم للطرق”.
وخلال سنوات عمله، تزوّج محمود من فتاة فاضلة، واستطاع بجهده أن يشتري سيارة صغيرة خصصها لنقل الموظفين بين القاهرة وأسيوط. كانت بين ركابه الدائمين السيدة “كوكب”، مدرّسة زوجته وصديقة الأسرة المقربة، التي كانت تعتبره ابنًا لها لما رأته فيه من طيبة وإخلاص.
لكن القدر كان يخفي له صفحة سوداء في كتاب حياته، بعدما قادته الأقدار إلى العمل مع زميل يُدعى محمد عصام، عُرف بين زملائه بسوء السلوك وقلة الأمانة. وذات يوم، ضبطه محمود متلبسًا بسرقة أموال من مكتب المدير، فشهد عليه بالحق أمام إدارة الشركة، دون أن يخشى اللوم أو التهديد. تلك الشهادة كانت كفيلة بأن تزرع في قلب الجاني نار الحقد والانتقام.
لم تمر الأيام حتى بدأ محمد عصام في التربص بزميله النبيل، فحاول اقتحام منزله في إحدى المرات أثناء غيابه، ما تسبب في حالة ذعر لزوجته التي سارعت بإبلاغ الشرطة. وبرغم كل تلك المؤشرات، ظل محمود ثابتًا على مبادئه، لم يبادل زميله العداء، بل سعى لمساعدته مرة أخرى، فساعده في استخراج شهادة محو الأمية، وعلّمه قيادة السيارات بنفسه، في موقف يعكس نقاء قلبه وكرم طبعه، غير مدرك أن يده التي امتدت بالخير ستُقابل بطعنة غدر.
وفي يوم 6 أكتوبر، وبينما كان محمود يقود سيارته عائدًا من القاهرة إلى أسيوط، وبرفقته زوجة صاحب الشركة، ومحمد عصام وزوجته هبة (الحامل آنذاك)، توقفت السيارة في منطقة نائية قرب أسيوط الجديدة. وهناك، نفّذ الجاني خطته الدموية بدمٍ بارد. استلّ سكينًا كان يخفيه بين طيات ملابسه، وطعن محمود في رقبته طعنة قاتلة أنهت حياته في الحال.
لم تكتفِ وحشيته عند هذا الحد، بل طعن زوجته “هبة” التي حاولت الدفاع عن المجني عليه، لتسقط غارقة في دمائها بعد أن أصيبت بجروح خطيرة، فيما لاذ القاتل بالفرار على دراجته النارية، تاركًا خلفه جريمة تقشعر لها الأبدان.
على الفور، انتقلت الأجهزة الأمنية إلى مكان الحادث، وتم نقل الجثة إلى المشرحة والمصابة إلى المستشفى، فيما تم تشكيل فريق بحث لكشف ملابسات الجريمة وضبط الجاني. وبالفعل، نجحت قوات الشرطة في ضبط المتهم خلال ساعات، ليُحال إلى النيابة العامة التي باشرت التحقيقات في الواقعة، وسط غضب شعبي واسع ومطالبات بتوقيع أقصى العقوبة عليه.
وأكدت التحقيقات الأولية أن الدافع وراء الجريمة هو الانتقام من المجني عليه بعد أن شهد ضده في واقعة سرقة بالشركة التي يعملان بها، حيث لم يتقبل الجاني سقوطه أخلاقيًا أمام الإدارة بعد شهادة زميله، ليقرر الانتقام منه بهذه الطريقة الوحشية.
الحادثة تركت أثرًا بالغًا في الشارع الأسيوطي، إذ وصف الأهالي محمود بأنه “رمز للأمانة والخلق”، مطالبين بأن تكون قضيته عبرة لكل من تسوّل له نفسه خيانة الأمانة أو الغدر بزميله. فيما لا تزال التحقيقات مستمرة لاستكمال تفاصيل الواقعة تمهيدًا لإحالة القاتل إلى محكمة الجنايات.



