أحمد صادق يكتب: إثيوبيا تغرق السودان.. كارثة القرن التي لا تغتفر!

بقلم أحمد صادق
لم يعد الحديث عن سد النهضة مجرد ملف سياسي أو قضية تفاوضية عابرة بين دول حوض النيل، بل تحول إلى سلاح مائي مدمر تضغط به إثيوبيا متى شاءت، دون أن تعبأ بحياة البشر أو استقرار الأوطان. المشهد الأخير الذي عاشه الشعب السوداني خلال الأيام الماضية يكشف حجم التهور الإثيوبي والاستهتار بأرواح الملايين، بعدما فتحت أديس أبابا بوابات السد بشكل مفاجئ، لترسل موجات جارفة من المياه اجتاحت قرى بأكملها، وحولت الأراضي الزراعية والمساكن إلى بحيرات غارقة.
السودان بين ليلة وضحاها تحت الماء
السودان، الجار الجريح، لم يكن مستعداً لهذه الفاجعة. فبينما كان الأهالي في ولايات الجزيرة والنيل الأبيض والنيل الأزرق يمارسون حياتهم الطبيعية، فوجئوا بسيول عاتية تندفع من مجرى النيل، لتغرق القرى والبيوت في ساعات قليلة. مئات المنازل انهارت، آلاف الأسر فقدت كل شيء، والدموع التي سالت في عيون الأطفال والنساء أكبر شاهد على حجم المأساة.
الصور القادمة من هناك تحكي قصة انهيار إنساني كامل:
عائلات تبحث عن مأوى في العراء.
أطفال ينامون على الأرض بلا غطاء.
رجال يحاولون إنقاذ ما تبقى من أمتعة وسط الطوفان.
إنها ليست مجرد فيضانات طبيعية، بل كارثة صنعتها يد بشرية بقرار غير مسؤول، اتخذته إثيوبيا بفتح بوابات السد دون أي إنذار أو تنسيق مع السودان.
جريمة مائية مكتملة الأركان
ما فعلته إثيوبيا لا يمكن وصفه إلا بأنه جريمة مائية مكتملة الأركان. فالقوانين الدولية التي تنظم الأنهار العابرة للحدود تنص بوضوح على ضرورة الإخطار المسبق والتنسيق المشترك قبل أي إجراء يؤثر على دول المصب. لكن أديس أبابا اختارت أن تضرب بهذه القوانين عرض الحائط، وأن تستخدم السد كأداة ضغط سياسي لا كبنية تنموية.
والسؤال البديهي هنا:
كيف يسمح للعالم أن يغض الطرف عن دولة تستخدم المياه كسلاح للإغراق والتجويع والتخويف؟
هل أصبح النيل ورقة ابتزاز جديدة، تُدار بها الأزمات الإقليمية وتُستباح بها الأوطان؟
السودان الضحية الأولى.. ومن التالي؟
ما حدث في السودان ليس بعيداً عن مصر. فاليوم أغرقت إثيوبيا قرى السودان، وغداً قد يتكرر السيناريو في صعيد مصر أو دلتا النيل. إن المسألة لم تعد تخص السودان وحده، بل هي إنذار مبكر لكل شعوب المنطقة بأن الأمن المائي العربي والإفريقي في خطر داهم.
لقد بات واضحاً أن غياب الاتفاق القانوني الملزم مع إثيوبيا يترك الباب مفتوحاً أمام كوارث متتالية، قد تعصف بمستقبل الملايين وتحوّل النيل من مصدر للحياة إلى أداة للموت.
مأساة إنسانية بكل المقاييس
في السودان الآن:
آلاف النازحين يفترشون الأرض بلا مأوى.
مدارس تحولت إلى مراكز إيواء مؤقتة.
قرى بأكملها انقطعت عنها الكهرباء والمياه النظيفة.
مزارع دُمرت، ومحاصيل غرقت، واقتصاد محلي انهار في ساعات.
هذه ليست مأساة عابرة، بل كارثة إنسانية تحمل كل المعاني: تشريد، فقر، مرض، جوع، وتهديد للأمن القومي والاجتماعي.
أين العالم من الكارثة؟
الغريب أن المجتمع الدولي يكتفي ببيانات الشجب والإدانة، بينما السودان يغرق. أين المنظمات الإنسانية؟ أين الأمم المتحدة؟ أين الاتحاد الإفريقي الذي يفترض أن يكون راعياً للسلام بين دول القارة؟
هل أصبحت حياة الشعوب رخيصة إلى هذا الحد؟
أم أن الحسابات السياسية والمصالح الاقتصادية الكبرى صارت أهم من أرواح الملايين؟
رسالتي إلى الشعوب
أكتب اليوم لا كصحفي فقط، بل كصوت يحاول أن يصرخ في وجه الصمت. ما حدث في السودان رسالة قاسية لكل الشعوب: المياه قد تتحول إلى سلاح فتاك إذا سقطت في يد غير مسؤولة.
إن السودان لا يواجه كارثة طبيعية، بل مؤامرة مكتملة الأركان. وعلى مصر والسودان معاً أن يدركا أن معركة الوجود لا تحتمل التأجيل، وأن الموقف الموحد هو السبيل الوحيد لردع أي محاولة لابتزاز أو إغراق.
الخلاصة
فتح بوابات سد النهضة دون إنذار هو جريمة تاريخية ستظل وصمة عار في جبين إثيوبيا. السودان اليوم يدفع الثمن الأكبر، لكن غداً قد تدفع دول أخرى نفس الثمن إن لم يتحرك الجميع لوقف هذا العبث.
الكارثة أكبر من مجرد فيضان.. إنها تهديد للوجود، وإن لم يُواجه بحسم، فسوف نرى فواجع أشد قسوة في المستقبل.



