محافظات

أحمد صادق يكتب:”انتخابات 2025 بين المال والشارع.. هل ينجح صوت المواطن في كسر سطوة التبرعات؟”

بقلم أحمد صادق رئيس مجلس إدارة جريدة وموقع أصالةوطن

مع اقتراب موعد انتخابات مجلس النواب 2025، يشتعل الجدل في الأوساط السياسية والإعلامية والشعبية حول واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل: أزمة التبرعات والإنفاق الانتخابي. هذه الأزمة القديمة الجديدة التي تتجدد مع كل استحقاق انتخابي، لتعيد فتح باب النقاش حول العلاقة بين المال السياسي وقدرة المرشحين على الوصول إلى الناخبين، مقابل الأصوات المتعالية بضرورة الدفع بمرشحين حقيقيين من قلب الشارع المصري، يعبرون عن الناس وينطلقون من همومهم لا من حساباتهم البنكية.

المال السياسي.. معركة قديمة تتجدد

الانتخابات في مصر، مثلها مثل كثير من الدول النامية، لطالما ارتبطت بالقدرة المالية للمرشحين. فالمعارك الانتخابية تحتاج إلى تمويل للدعاية، اللافتات، المؤتمرات، الجولات، وحتى فرق العمل التي تُدير الحملات. لكن في السنوات الأخيرة، تصاعدت شكاوى قطاعات واسعة من المواطنين والمهتمين بالشأن العام من أن المنافسة لم تعد عادلة، بعدما باتت بعض الأحزاب والقوى تضع شرطاً أساسياً على مرشحيها يتمثل في دفع تبرعات مالية ضخمة.

التقارير المتداولة تشير إلى أرقام بالملايين تُطلب من بعض الراغبين في الترشح تحت مظلة أحزاب كبرى، وهو ما يثير تساؤلات حول عدالة العملية السياسية، وهل صارت مقاعد البرلمان تُمنح وفقاً لحجم الشيك لا وفقاً لحجم الشعبية؟

الشارع المصري بين الإحباط والغضب

“إحنا عايزين حد مننا يمثلنا.. مش اللي يقدر يدفع أكتر”، عبارة تتردد على ألسنة كثير من المواطنين في الريف والحضر على حد سواء. فالإحباط يتزايد حين يرون أن مقاعد البرلمان، التي يفترض أن تكون منبراً لصوتهم، قد تحولت في بعض الأحيان إلى حلبة سباق للمال السياسي.

يؤكد خبراء أن الأزمة ليست فقط في حجم التبرعات المطلوبة، بل في ما تفرزه من نتائج؛ إذ يؤدي هذا الوضع إلى إقصاء الكفاءات والشخصيات الشعبية الحقيقية التي لا تملك المال، لكنها تمتلك القدرة على تمثيل الناس ونقل مشاكلهم بصدق.

الأحزاب في مرمى الانتقادات

الأحزاب السياسية ليست بمنأى عن النقد في هذه المعركة. فالكثير من الانتقادات تتوجه مباشرة إلى إدارات بعض الأحزاب التي تُصر على اعتبار التبرعات شرطاً غير معلن للحصول على فرص الترشح على قوائمها أو بدعمها.
ويرى مراقبون أن هذه السياسة تفقد الأحزاب دورها الطبيعي كوسيط بين الشارع والسلطة، وتحولها إلى كيانات تبحث فقط عن التمويل لا عن التعبير عن الجماهير.

صوت الشارع.. هل يكسر القاعدة؟

على الجانب الآخر، يعلو صوت متزايد من قوى شبابية ومجتمعية يطالب بترشيح شخصيات من قلب الشارع، لا تملك الملايين ولكنها تملك السيرة الطيبة والتاريخ النظيف والقدرة على التواصل الحقيقي مع الناس.
هذا الصوت يجد صداه في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر دعوات لتبني مرشحين مستقلين أو حتى دعم شخصيات مجتمعية بارزة بعيداً عن لعبة التبرعات.

الدستور والقانون.. بين النص والتطبيق

دستور مصر ينص على أن المواطنة والمساواة هما أساس الحقوق والواجبات، لكن الواقع يكشف عن فجوة كبيرة بين النصوص والتطبيق. فالقوانين المنظمة للانتخابات تحدد سقفاً للإنفاق الانتخابي، لكنها لا تتطرق بشكل واضح لأزمة التبرعات داخل الأحزاب، باعتبارها أموراً داخلية.
هذا الفراغ القانوني يسمح باستمرار الممارسات التي تثير الجدل، ويطرح تساؤلات حول ضرورة تدخل الجهات التشريعية والتنظيمية لوضع قواعد أكثر صرامة تضمن تكافؤ الفرص.

تجارب من الماضي.. الدرس الغائب

التاريخ البرلماني المصري مليء بالأمثلة على مرشحين دخلوا البرلمان بالمال والنفوذ، لكنهم فشلوا في أداء دورهم الرقابي والتشريعي. وفي المقابل، هناك شخصيات جاءت من قلب الشارع ونجحت في أن تكون صوتاً مسموعاً للجماهير.
المفارقة أن الدرس يبدو غائباً، إذ لا يزال المال السياسي يفرض نفسه كعامل حاسم، رغم أن التجارب أثبتت أن البرلمان القوي لا يُبنى بالمال، بل بالكفاءة والقدرة على التعبير عن الناس.

الانتخابات المقبلة.. فرصة أم أزمة؟

انتخابات 2025 تمثل اختباراً حقيقياً للمجتمع المصري بأكمله:

هل سنشهد تكراراً لسيناريو المال والتبرعات؟

أم أن الشارع سيفرض كلمته ويُحدث مفاجآت بدعم مرشحين بعيدين عن لعبة الأموال؟

المشهد ما زال ضبابياً، لكن المؤكد أن الوعي الشعبي يتزايد، والانتقادات الموجهة للمال السياسي باتت أكثر وضوحاً وصراحة، حتى من داخل بعض الأحزاب نفسها.

الطريق إلى برلمان يعبر عن الناس

إذا كانت الانتخابات فرصة لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، فإن المدخل الصحيح يبدأ من ترشيح شخصيات تعبّر عن هموم الناس الحقيقية:

الفلاح الذي يطالب بدعم الزراعة.

العامل الذي يريد قوانين تحمي حقوقه.

الشاب الباحث عن فرصة عمل كريمة.

المرأة التي تناضل من أجل حقوقها في التعليم والصحة والمشاركة السياسية.

كل هؤلاء لن يجدوا من يمثلهم إذا ظل معيار الاختيار محصوراً في من يدفع أكثر.

كلمة أخيرة

انتخابات مجلس النواب 2025 ليست مجرد استحقاق دستوري، بل هي اختبار لإرادة المجتمع المصري في كسر سطوة المال السياسي. فإذا أراد الشعب أن يرى برلماناً قوياً، فعليه أن يتمسك بحقّه في اختيار ممثلين من قلب الشارع، لا من قاعات البنوك.

فالأوطان تُبنى بالوعي، لا بالتبرعات.
وبصوت الناخب وحده، يمكن أن تنكسر كل القيود التي تحاول رهن البرلمان لصالح أصحاب النفوذ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى