أحمد صادق يكتب “السيسي وتجديد العهد.. حين يتحول الشرف إلى مواقف تحفظ التاريخ”

بقلم: أحمد صادق رئيس مجلس إدارة جريدة وموقع أصالة وطن
في زمن تتغير فيه التحالفات بسرعة، وتضيع فيه المبادئ تحت أقدام المصالح، يظل الشرف الوطني ليس مجرد شعار يُرفع في المناسبات، بل مواقف صلبة تُكتب في صفحات التاريخ.
وعندما نسمع الرئيس عبد الفتاح السيسي في كل مرة يجدد رفض مصر القاطع لأي مشاريع للتهجير أو التفريط في الأرض، ندرك أن مصر لا تزال تقود معركة الحفاظ على الكرامة والسيادة، وأن هناك رجالًا يقفون على العهد لا يتزحزحون.
هذا الموقف المتجدد ليس مجرد تصريح سياسي عابر، بل هو ترجمة عملية لعقيدة وطنية راسخة ترى أن الوطن لا يُباع، والأرض لا تُقايض، والإنسان لا يُرحل من موطنه. وهنا تكمن قيمة الشرف: أن تحافظ على الأمانة مهما كان الثمن.
مصر والتاريخ.. جذور الشرف الوطني
عندما نتأمل تاريخ مصر، نجد أن الشرف الوطني لم يكن يومًا مجرد كلمات رنانة. منذ آلاف السنين وقف المصريون دفاعًا عن أرضهم في مواجهة الغزاة. من الفراعنة الذين صانوا حدود الوادي، إلى بطولات الشعب ضد الاحتلال العثماني والإنجليزي، كانت العقيدة واحدة: الأرض عرض، والسيادة شرف، والكرامة حياة.
واليوم، حين يخرج الرئيس السيسي في محافل إقليمية ودولية ليعلن رفض مصر لأي محاولة لتهجير الفلسطينيين من أرضهم أو العبث بخريطة المنطقة، فإنما هو يمد جذور هذا التاريخ إلى حاضرنا، مؤكداً أن مصر لن تكون طرفًا في صفقات على حساب كرامة الشعوب.
الشرف موقف لا يتجزأ
الشرف ليس جملة تقال أمام الكاميرات. الشرف موقف يُدفع ثمنه.
موقف قد يُغضب قوى كبرى، أو يثير حفيظة دول نافذة، لكنه يبقى صخرة تتحطم عليها كل محاولات الإغراء أو التهديد.
وفي خطاباته الأخيرة، أصر السيسي على تكرار المبدأ ذاته:
لا تهجير.
لا تفريط.
لا تنازل عن الحق العربي.
هذه الكلمات تُعيد للأذهان دروس التاريخ القريب حين دفعت مصر ثمن التمسك بمواقفها. فبعد حرب أكتوبر 1973، لم يكن الطريق إلى السلام سهلًا، لكنه كان مشرفًا. واليوم، يتكرر المشهد ولكن بثوب جديد: الدفاع عن الحق الفلسطيني، والتمسك برفض مصر أن تكون معبرًا لتهجير الشعوب أو إعادة رسم الخرائط على حساب الأبرياء.
رسالة مصر إلى العالم
الموقف المصري في رفض التهجير لا يخص الفلسطينيين وحدهم، بل هو رسالة للعالم بأسره:
“إذا سقطت مبادئ العدالة اليوم، فلن يكون أحد في مأمن غدًا.”
فمصر التي عانت من الإرهاب، وتصدت لمحاولات إسقاط الدولة، تدرك أن أي قبول بتهجير قسري في المنطقة يعني فتح أبواب جهنم أمام الجميع. لأن الظلم لا يولد إلا الكراهية، والكراهية لا تنتهي إلا بمزيد من الدماء.
وبالتالي، فإن موقف السيسي لم يكن مجرد تضامن مع أشقاء عرب، بل كان حفاظًا على الأمن القومي المصري والعربي في آن واحد.
الشرف في السياسة.. معركة بقاء
كثيرون قد يتصورون أن السياسة لعبة مصالح فقط، لكن الحقيقة أن السياسة بلا شرف تتحول إلى صفقة مؤقتة، سرعان ما تسقط أمام أول اختبار.
أما السياسة المبنية على الشرف، فهي التي تمنح القائد مصداقية أمام شعبه، وتمنح الدولة ثقة في محيطها الإقليمي والدولي.
ولذلك، فإن تكرار الرئيس السيسي لعبارة “لا للتهجير” في أكثر من مناسبة ليس تكرارًا عاطفيًا، بل تأكيد على أن الشرعية الأخلاقية لمصر أكبر من أي حسابات ضيقة.
دروس للأجيال القادمة
إن أعظم ما يتركه القادة لشعوبهم ليس فقط مشروعات التنمية ولا الطرق والجسور، وإنما المواقف التي تُعلم الأجيال أن الشرف أثمن من الحياة نفسها.
حين يدرس أبناؤنا تاريخ هذه المرحلة، لن يتذكروا فقط العاصمة الإدارية أو مشروعات البنية التحتية، بل سيتوقفون عند المواقف التي قال فيها قائدهم:
“لن نقبل بتهجير شعب من أرضه… ولن نسمح أن تمر مصر بصفقات تُباع فيها الكرامة.”
هذه المواقف ستظل تُروى مثلما نروي اليوم عن زعماء وقادة رفضوا التنازل مهما كانت الضغوط.
بين الشرف والقيادة
ليس من السهل على أي قائد أن يواجه عواصف السياسة الدولية. لكن السيسي اختار أن يرفع شعار الشرف فوق كل شيء.
ولذلك، فإن كلماته لا تُعتبر مجرد خطاب رسمي، بل هي قسم متجدد أمام الشعب والتاريخ: أن يظل الوطن كبيرًا، وأن تظل مصر حائط الصد الأول ضد أي مشروع يُراد به العبث بالمنطقة.
الشرف يُصان بالمواقف
في النهاية، علينا أن ندرك أن الشرف ليس شعارًا يُرفع على اللافتات.
الشرف هو ما فعله السيسي حين قال “لا” حيث قال آخرون “نعم”.
الشرف هو أن تصون الكلمة، وتحافظ على العهد، وتدفع الثمن مهما كان غاليًا.
وهنا تكتسب كلماتنا معناها الحقيقي:
“الشرف مش مجرد شعار… الشرف مواقف تُكتب في التاريخ.”
مصر، التي علّمت الدنيا الحضارة، تواصل اليوم تعليم العالم درسًا جديدًا: أن هناك رجالًا يثبتون أن الكرامة لا تُشترى، وأن الشرف باقٍ ما بقيت المواقف.

