استغاثة

استغاثة عاجلة من مزارعي أسيوط : “ضاعت حصتنا من السماد والكيماوي يذهب لغير مستحقيه”

كتب أصالة وطن

في مشهد يتكرر كل موسم زراعي ويثير الغضب بين جموع الفلاحين، أطلق أهالي قرية عرب الأطاولة التابعة لمركز الفتح بمحافظة أسيوط استغاثة عاجلة، يناشدون فيها السيد رئيس الجمهورية، والسيد رئيس مجلس الوزراء، والسيد محافظ أسيوط، وقيادات وزارة الزراعة، بضرورة التدخل العاجل لوقف ما وصفوه بـ “المهزلة” داخل جمعية عرب الأطاولة الزراعية، بعد ضياع حصصهم من السماد الكيماوي الصيفي 2025 لصالح أصحاب النفوذ والحيازات الكبيرة.

بداية الأزمة.. تعليمات واضحة لم تُنفذ

الأزمة – كما يروي المزارعون – بدأت مع وصول كميات محدودة من السماد الكيماوي الصيفي للجمعية، حيث صدرت تعليمات مشددة من وزارة الزراعة بصرف نصف الحصة فقط لكل مزارع، على أن تُستكمل الكمية المتبقية فور ورود دفعات جديدة.
لكن ما حدث على أرض الواقع – بحسب رواية المزارعين – خالف تمامًا هذه التعليمات، إذ تم جمع بطاقات الحيازة الزراعية من الأهالي بحجة فرزها وإعطاء الأولوية لمن لم يحصل على حصته. إلا أن النتيجة كانت – على حد وصفهم – صادمة، حيث تم حرمان عشرات المزارعين البسطاء من أي كيس سماد، بينما حصل أصحاب الحيازات الكبيرة وأعضاء الجمعية أنفسهم على كامل حصصهم، بل واستحوذوا أيضًا على الكمية الثانية والأخيرة.

شهادات من قلب الأزمة

قال الحاج محمود عبد الرحيم، أحد صغار المزارعين بعرب الأطاولة، إن الجمعية الزراعية تحولت إلى “مغارة مغلقة”، لا يعرف الفلاح البسيط ماذا يجري بداخلها:

“سلمنا بطايقنا وقالوا لنا اللي ماخدش هيبقى له الأولوية، لكن اتضح إن كل اللي حصل مجرد كلام. الحصص راحت للمعارف والأقارب وأصحاب الأراضي الكبيرة، وإحنا الصغيرين ملناش حد يجيب لنا حقنا.”

أما عم أحمد حسين، الذي يمتلك فدانًا ونصف، فأكد أن اسمه موجود بالكشوف لكنه لم يتسلم أي حصة:

“كل سنة نفس السيناريو.. يدخل الكيماوي الجمعية يختفي بسرعة. اللي عنده معارف أو واسطة بيصرف، والباقي يضطر يشتري من السوق السودا بأضعاف السعر. دلوقتي الكيس بـ 1400 جنيه، وأنا عندي أرض محتاجة سماد، أجيب منين؟”.

وأضافت إحدى السيدات من أسر الفلاحين:

“إحنا بنزرع عشان ناكل ونعيش.. مش معقول يضيع حقنا كل سنة. إحنا مش طالبين غير حقنا في الكيماوي اللي الدولة مخصصة لينا.”

السوق السوداء.. المستفيد الأكبر

أحد أخطر جوانب الأزمة يتمثل في انتشار السوق السوداء للسماد الكيماوي، حيث يجد الفلاح نفسه مضطرًا لشراء الشيكارة بأكثر من 1400 جنيه بعد أن ضاعت حصته المدعومة.
ويشير المزارعون إلى أن أصحاب الحيازات الكبيرة، الذين يحصلون على كامل مخصصاتهم، يعيدون بيع جزء من السماد في السوق السوداء بأسعار مضاعفة، ليحققوا أرباحًا طائلة على حساب صغار المزارعين الذين لا يجدون من يدافع عنهم.

خلفية عن أزمة السماد في مصر

تُعد أزمة نقص السماد الكيماوي من أبرز المشكلات التي تعاني منها الزراعة المصرية منذ سنوات، خصوصًا مع ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج عالميًا، وعدم كفاية الكميات المنتَجة محليًا لتغطية احتياجات السوق.
ورغم الجهود التي تبذلها الدولة لتوزيع السماد عبر الجمعيات التعاونية الزراعية ومنع تسريبه للسوق السوداء، إلا أن غياب الرقابة الصارمة داخل بعض الجمعيات يؤدي إلى تسرب الكميات لمستفيدين غير مستحقين، ما يفاقم معاناة الفلاحين البسطاء.
وفي صعيد مصر، حيث تُعد الزراعة المصدر الأول لدخل معظم الأسر، تصبح هذه الأزمة أكثر خطورة، لأنها تهدد الموسم الزراعي بالكامل، وتدفع المزارعين إما للخسارة أو للهجرة إلى مهن أخرى بعيدًا عن أرضهم.

أبعاد الأزمة في أسيوط

محافظة أسيوط تحديدًا من المحافظات الزراعية الكبرى في الصعيد، وتشتهر بزراعة القمح والذرة والقطن والخضروات. ويحتاج صغار المزارعين هناك إلى كميات كافية من السماد للحفاظ على إنتاجية أراضيهم.
لكن بحسب الاستغاثة، فإن جمعية عرب الأطاولة بالفتح تحولت إلى نموذج صارخ للتوزيع غير العادل، حيث يتم منح الأفضلية للمقربين من أعضاء الجمعية، وحرمان صغار المزارعين من حصتهم، ما يهدد بتراجع إنتاجية الأراضي، ويؤدي إلى زيادة أسعار المحاصيل بالأسواق.

مطالب المزارعين

المزارعون وجهوا عبر استغاثتهم عدة مطالب عاجلة إلى القيادة السياسية والتنفيذية، جاء في مقدمتها:

  1. مراجعة فورية لكشوف الصرف بجمعية عرب الأطاولة الزراعية.
  2. محاسبة أي مسؤول يثبت تورطه في التلاعب بالحصص.
  3. تخصيص كميات إضافية من السماد لتعويض العجز وضمان عدالة التوزيع.
  4. وضع آليات رقابية إلكترونية تربط كل كيس سماد ببطاقة الحيازة، لمنع أي تلاعب.
  5. إشراك ممثلين حقيقيين عن المزارعين في لجان التوزيع لضمان الشفافية.

رسالة إلى القيادة السياسية

اختتم المزارعون استغاثتهم برسالة مؤثرة قالوا فيها:

“نضع هذه الحقائق أمام السيد رئيس الجمهورية، والسيد رئيس مجلس الوزراء، والسيد محافظ أسيوط، ونؤكد أننا مسؤولون عن كل ما ورد في هذه الاستغاثة. نحن لا نطلب سوى حقنا المشروع في السماد الذي تدعمه الدولة لمصلحة الفلاح البسيط. إنقاذ الموسم الزراعي واجب وطني، وضياع حقوق صغار الفلاحين يهدد مستقبل الزراعة في أسيوط ومصر كلها.”

تداعيات استمرار الأزمة

إذا لم يتم التدخل العاجل، يحذر خبراء الزراعة من أن الأزمة ستؤدي إلى عدة تداعيات خطيرة، منها:

انخفاض إنتاجية الأراضي نتيجة نقص التسميد.

ارتفاع أسعار المحاصيل بسبب قلة المعروض.

زيادة مديونية الفلاحين بعد لجوئهم لشراء السماد من السوق السوداء.

هجرة المزارعين من الأرض والبحث عن أعمال أخرى، وهو ما يمثل تهديدًا للأمن الغذائي الوطني.

كلمة أخيرة

استغاثة مزارعي عرب الأطاولة بالفتح – أسيوط ليست مجرد شكوى فردية، بل هي نموذج لمعاناة آلاف المزارعين البسطاء في مصر، الذين يقفون كل موسم أمام أزمات متكررة تهدد مصدر رزقهم الوحيد.
إن إنصاف هؤلاء المزارعين، وضمان وصول الدعم إليهم، ليس فقط استحقاقًا اقتصاديًا، بل هو قضية أمن قومي تتعلق بمستقبل الزراعة والغذاء في مصر.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى