أحمد صادق يكتب : بأمعاء خاوية.. أطفال غزة يمـوتون جوعًا والعالم أصمّ الجوع، الحصار، والانهيار الإنساني الكامل

محتوايات
بقلم أحمد صادق
لم تعد الكلمات تكفي. ولم تعد الصور المؤلمة تثير ضميرًا عالميًا غائبًا. أطفال غزة، اليوم، لا يموتون تحت القصف فقط، بل يتساقطون تباعًا من شدة الجوع، من انعدام الغذاء، من شح الدواء، ومن حصار فُرض عليهم دون ذنب سوى أنهم ولدوا على أرضٍ تُحارب الحياة فيها منذ عقود.
في قلب هذا الجحيم الإنساني، تصرخ أمٌ فلسطينية: “بأمعاء خاوية.. لا آكل وأطفالي يموتون جوعًا، وصرخنا أمام العالم كأننا نخاطب أصنامًا!”
فما الذي يحدث في غزة؟ ولماذا مات الضمير الإنساني أمام واحدة من أبشع مآسي القرن؟ هذا ما نحاول الإجابة عنه في هذا المقال.

غزة: جوع فوق الدمار
انهيار الأمن الغذائي بنسبة 100%
في التقارير الأخيرة الصادرة عن منظمات دولية، مثل برنامج الأغذية العالمي والصليب الأحمر، تم التأكيد أن 100% من سكان قطاع غزة يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وهو أمر غير مسبوق في التاريخ الحديث.
معظم العائلات لم تتناول وجبة كاملة منذ أسابيع، والبعض لا يجد قوت يومه سوى من بقايا الأعشاب، أو الخبز اليابس، إن وُجد.
مشاهد الأطفال الذين يُنقلون إلى المستشفيات وهم يعانون من الهزال الشديد أصبحت اعتيادية، لكن المأساة الحقيقية أن هذه المستشفيات نفسها لم تعد قادرة على استقبالهم، في ظل نقص حاد في الطاقة والأدوية وأجهزة الإنعاش.

حصار خانق.. ومعابر مغلقة
لا ماء ولا دواء ولا طحين
منذ بداية العدوان الإسرائيلي على غزة، تم تشديد الحصار المفروض على القطاع لدرجةٍ خانقة.
المعابر مغلقة، المساعدات ممنوعة أو محدودة جدًا، وحتى الكميات التي يُسمح بدخولها لا تكفي نسبة ضئيلة من السكان.
الطحين أصبح كنزًا، والماء النظيف أمنية، والأدوية أحلام معلقة.
في بعض المناطق، يُشاهد المواطنون وهم يتقاسمون وجبة واحدة في اليوم بين أكثر من 10 أفراد.
طفل فلسطيني يُنقل للمستشفى في خان يونس قال بصوت متعب: “صار لي 3 أيام ما أكلت غير شوية خبز وزيت”. هذه العبارة تُلخص الواقع كله.
مشاهد تدمى لها القلوب
“طفلٌ ينام جائعًا ويستيقظ على صراخ الجوع فقط”
في حي الرمال بمدينة غزة، وثّق نشطاء ووسائل إعلام مشاهد مؤلمة لعائلات تنام في العراء، دون طعام أو غطاء أو حتى أمل.
أم فلسطينية تُرضع طفلها وهي نفسها لم تأكل منذ يومين، وطفلٌ آخر يقول لأمه: “عايز لقمة، حتى لو من الزبالة”.
هذه ليست مبالغات صحفية، بل شهادات موثقة من قلب الحدث.
الجوع لا يُميز بين رضيع وشيخ، ولا بين امرأة أو شاب، الكل يتساوى أمام الألم والاحتياج.

كارثة إنسانية بشهادة الجميع
تقارير دولية تدق ناقوس الخطر
قالت منظمة “أطباء بلا حدود” في بيان رسمي لها إن الوضع في غزة “تجاوز حدود الكارثة”، وإن آلاف الأطفال معرضون للموت بسبب سوء التغذية والجفاف.
وأكد تقرير للأمم المتحدة أن أكثر من مليون ونصف إنسان في غزة يعيشون حاليًا دون تغذية كافية، بينما أكثر من 300 ألف طفل مهددون بالهلاك نتيجة سوء التغذية الحاد.
ورغم كل هذه الأرقام، لا يزال التحرك الدولي بطيئًا وخجولًا، بل ويمكن القول إنه عاجز أو متواطئ في بعض الأحيان.
تساؤلات بلا إجابة
لماذا يصمت العالم أمام جوع غزة؟
أين مؤسسات حقوق الإنسان؟
أين الدول التي تزعم أنها حامية للأطفال؟
لماذا لم يُفتح ممر إنساني دائم حتى الآن؟
كيف يُترك مليونَي إنسان بلا غذاء أو دواء أو مأوى؟
هي أسئلة تُطرح يوميًا من قبل الغزيين ومن كل من يتابع المشهد الإنساني المروع، لكن دون رد.
كأننا نخاطب أصنامًا من حجر، لا ترى ولا تسمع ولا تنطق.
صرخة من تحت الركام
أصوات الغزيين للعالم: نحن بشر.. لا تقتلونا جوعًا
من داخل أحد مراكز الإيواء، صرخ أحد الناجين: “نحن مش إرهابيين.. إحنا ناس بدها تعيش، ناكل، نشرب، نعيش بكرامة”.
كلمة “كرامة” هنا لم تعد تعني الرفاهية، بل تعني مجرد لقمة، مجرد بطانية، مجرد ماء نظيف.
وبينما يقضي الأطفال في دول العالم أوقاتهم في المدارس والحدائق، يموت أطفال غزة في طوابير الخبز، وتحت الأنقاض، وفي أحضان أمهاتهم الجائعات.
الإعلام المقاوم.. والسكوت الرسمي
رغم التعتيم الإعلامي، يواصل الصحفيون الفلسطينيون في غزة نقل الحقيقة للعالم، رغم أن بعضهم فقد أهله أو منزله أو حياته.
لكن الإعلام الرسمي العربي والعالمي، غالبًا ما يتعامل مع المأساة بصمتٍ أو بتغطية سطحية لا تليق بحجم الكارثة.
ماذا يمكن أن نفعل؟
دعوة لتحرك عاجل وإنساني
على الشعوب أن ترفع صوتها بالاحتجاج والضغط على الحكومات.
على المنظمات الحقوقية الدولية أن تُجبر إسرائيل على فتح ممرات إنسانية.
على المؤسسات الإسلامية والعربية أن تتحرك بجدية بعيدًا عن البيانات الإنشائية.
وعلينا جميعًا ألا نصمت.. لأن الصمت جريمة.

الخاتمة: غزة تموت جوعًا.. فمن ينقذها؟
العدوان العسكري يمكن أن يتوقف، لكن الجوع إن لم يُواجه الآن فستتحول غزة إلى مقبرة جماعية للأطفال.
الوقت ليس في صالح أحد، والمأساة في كل دقيقة تتفاقم.
غزة تناديكم.. لا تجعلوا صرختها تذهب في صحراء صمتكم.
بقلم: أحمد صادق
كاتب وصحفي متخصص في الشؤون الإنسانية والحقوقية


