حكاية مريم وجيه بطلة متلازمة داون والـ40 ميدالية.. سخروا منها فصدمتهم جميعاً

كتبت_مارينا نوناي
غمرت قلبها سعادة بحجم السماء والأرض عندما استقبلت طفلتها الرضيعة مريم وجيه فى أول أيامها فى الحياة، قلبها يزف زغاريد التهانى التى تصلها من الأقارب والأحبة والأصدقاء، كلما أرادت أن تبتسم نظرت لوجهها الملائكى.
بعد رحلة من التعب والإرهاق والخوف، جاءت “مريم” لتهدأ روح والدتها، وتعود إلى منزلها بهذه الطفلة الملائكية لكن لم يمهلها القدر أن تستعيد قوتها من وطأة الحمل والولادة لتجد الطفلة بعد مرور شهر على ولادتها تتعرض للتعب الذى لم تعرف سببه ما يجعلها تسرع للذهاب إلى الطبيب اطمأن قلبها وروحها عليها لتجد معاناة أخرى فى انتظارها، فالطفلة مصابة بالالتهاب الرئوى وثقب فى القلب وفتق سرى.
نزل هذا الخبر على قلب الأم كالصاعقة فلم تشعر بنفسها ودموعها تتراكم فوق خديها وزوجها من الناحية الأخرى يتحدث إلى الطبيب الذى صدمه بخبر آخر لم يكن فى الحسبان وهو أن الطفلة “منغولية”، لم تفهم المقصد وعندما سألت قيل لها أن الطفلة “متخلفة عقلية”.
كلمة منغولية، التى قيلت فى وصف حالة الطفلة للأبوين كانت سبباً فى سوء فهم التعامل مع “مريم” حتى أن أمها ظنت أن الطفلة لن تعرف حتى تقول كلمة “ماما” كان موقف الطبيب صادم وغير إنسانى إذ نصحهم أن يقتلوها من خلال حقنها بإبرة هواء ويتخلصوا منها، كان وقع هذه الكلمات على قلب ونفس الأبوين صادم وغير متوقع لكنهما لم يستجيبا له، وأعطيا لنفسيهما الفرصة أن تكون هذه الطفلة مصدر سعادة لهما، وبالفعل نجحت مريم وجيه، أن تكون بطلة سباحة وتحصل على 40 ميدالية تنوعت هذه الميداليات بين الذهب والبرونز وحصدت مراكز دولية.

ربما الكثير من المعاناة يعيشها أبناء متلازمة داون، بسبب جهل بعض الأطباء فى التعامل مع مثل هذه الحالات والنصح بالحل غير الأخلاقى وغير الإنسانى وهو قتلهم، بدلاً من نصح الآباء بإلحاق الأطفال بمراكز التأهيل والتدريب والتدخل المكبر لتوفير فرص حياتية جيدة لهم.
ولدت مريم، التى تبلغ من العمر 19 عاما، بمتلازمة داون بسبب طفرة جينية. لقد تحدثت والدتها التى تدعى، هناء أمين، عن اللقاء الذى جمعها بأحد أطباء الأطفال والذى أخبرها أن عوامل الوراثة ليس لها دخل فى شيء، ثم أتخذ الطبيب مسارا علميا فى محاولة منه لإفهام الأبوين حالة ابنتهما وسبل رعايتها، لكنها خافت أن تتعرض ابنتها للتنمر من قبل أقاربها أو جيرانها فكانت تخفيها عن أعينهم.
بداية رحلة “مريم” مع السباحة
بدأت هناء أمين، والدة مريم، محاولة البحث عن سبل لتدريب ابنتها وتأهيلها مما جعلها تلتحق بأحد المراكز التأهيلية الخاصة وقرابة ستة أعوام وهى تبذل كل جهودها لتعلم ابنتها كل شىء هناك، فى تلك الفترة اكتشف أهلها وأقاربها الخبر الذى ظلوا لسنوات يخفون عنهم حقيقته وهو أن مريم من متلازمة داون، ما جعلها تواجه صدمة معرفتهم ونفورهم من الطفلة غير أنها تعرضت للسخرية لكن بعد ذلك تحولت أنظارهم لحالة من الفخر والاعتزاز بعد أن استطاعت الفتاة تحقيق بطولات كبيرة فى رياضة السباحة.
عايشت مريم، معاناة نفسية قاسية عندما التحقت بالصف الأول الابتدائى فى مدرسة عامة كانت المعلمة بالمدرسة قد قدمت اعتذار عن إعطاء الحصة للتلاميذ ثم تركت الفصل وانصرفت، ثم تفاجأ الجميع أن مريم سقطت فى الأرض وأخذ بعض التلاميذ يضربونها.
لم تستطع الأم، أن تصدق ما حدث للطفلة وما كان منها إلا أن قامت بتحويل مريم، إلى مدرسة لذوى الاحتياجات الخاصة، وفيها عاشت بأمان ونجحت فى تحقيق أعلى الدرجات الدراسية وظهر تفوقها بشكل كبير، فى هذه الفترة بالتحديد بدأت رحلة مريم، مع عالم السباحة.
مارست مريم، رياضة السباحة وعمرها سبع سنوات، وبعدها بسبع سنوات أخرى بدأت تشارك فى المسابقات وفى أول بطولة لها نجحت فى الحصول على ميدالية ذهبية.
تمكنت مريم، من التأهل إلى بطولة العرب فى رياضة السباحة، بعدما نجحت فى حصد مراكز متقدمة فى المسابقات السابقة وهنا حصدت بميدالية فضية وأخرى برونزية، وفى مدة لا تزيد عن خمس سنوات استطاعت أن تحصل على أربعين ميدالية وتتوج هذه البطولات بتكريم من وزارة الشباب والرياضة.
مواهب مريم بين السباحة والرسم وتنسيق الألوان
لم تكن السباحة وحدها هى هواية مريم، بل أنها أيضا تهوى الرسم وتعشق تنسيق الألوان ولديها حس فنى وذوق خاص ظهر من خلال أعمالها الفنية، ما جعلها تنافس فى فعاليات الملتقى الدولى لذوى الاحتياجات الخاصة للفنون وتمكنت من خلال أعمالها الفنية من حصد شهادة تقدير على أعمالها بين قرابة ثمان وعشرين دولة أخرى مشاركين.
تحدث محمود معوض، مدرب السباحة الذى يشرف على تدريبات مريم، عن تميزها ونجاحها فى السعى إلى تحقيق أهداف ونجاحات خاصة، حتى وإن كانت فى بادئ الأمر مرت بحالة من الخمول إلا أنه باستغلال قدراتها استطاعت أن تحقق نجاحات وذلك جاء بسبب توظيف مستواها بشكل جيد.
تكلم أيضا معوض، عن أساليب والسياسة التى فضل التعامل بها مع مريم، والتى ضمنت له نجاحها فى كسب المراكز المتقدمة فى لعبة السباحة، كما تكلم أيضاً عن قدرات مريم، التى جعلت منها بطلة سباحة من الطراز الممتاز والتى تنوعت بين النفس الطويل والتحمل الجيد تحت الماء وكذلك نجح فى جعلها لاعبة سباحة سريعة بعدما لاحظ انخفاض سرعتها.
يستخدم معوض، أسلوب رقيق فى تعامله مع مريم، وغيرها من الأطفال من فئة متلازمة داون، ويصفهم بأنهم يحتاجون المعاملة اللطيفة حتى ينضبطوا فى التمارين ولا يتراخوا
من جانبه، تحدث الدكتور تامر النحاس، الذى يعمل مدرساً لأمراض النساء والتوليد بالمركز القومى للبحوث، عن متلازمة دوان، ووصفها بأنها مرض ينتج عن تشوه يصيب الأجنة فى الأرحام مما يتسبب بعد ذلك فى إحداث حالة من التأخر البدنى والعقلى فى عملية النمو.
كما أن النحاس، قال إنه من الممكن للأمهات أن يكتشفن إذا ما كان أبنائهن من فئة متلازمة داون أم لا منذ عملية الولادة والتى تظهر بوضوح على حد وصفه فى علامات معينة وقد ذكر منها على سبيل المثال ضعف العضلات ووجود خط واحد فى كف الأيد، بالإضافة إلى قصر فى الرقبة وظهور العينين متباعدتين فى وجه الطفل، مشيراً إلى أشهر علامة تميز أطفال داون هى طول اللسان عن الفم.
لفت النحاس، خلال حديثه إلى التحاليل الطبية التى تجريها الأسرة على أطفال داون ومن بينها تحليل الكروموسومات، وذلك يسهم بنصيب كبير فى التأكد من تشخيص حالة الطفل، تجرى هذه التحاليل وفق إشارة من الأطباء المتخصصين حيث تؤخذ عينة من الدم للأطفال ويتم بعد ذلك سحب ما يرتبط بالحجم والعدد وكذلك الشكل وهنا يساعد التحليل فى تشخيص متلازمة داون بدقة عالية.
يقول النحاس، إن بعض الأسر لا يكتشفون أن أبنائهم من فئة متلازمة داون، خاصة عندما تتم عملية الولادة خارج المستشفيات أو الاستعانة بالداية فى الولادة وليس الاستعانة بطبيب، غير أنه يؤكد أنه من الممكن اكتشاف أن الطفل من متلازمة داون خلال فترة الحمل وذلك أيضا يتم من خلال الفحص الطبى.



