عميد اداب الاسبق يترجم مغامرات كريستوفر كولمبس مكتشف الامريكتين

جمال المنياوي
تناول الدكتور محمد السيد عميد كلية الاداب واستاذ الفلسفة علي صفحته الشخصية علي الفيس بوك عرض
لحلقات مغامرات كريسوفر كولمبس
وجاء عرض الحلقة الأولى عن الافق الفكري لكريستوفر كولمبس
قال الدكتور محمد في ترجمة الحلقة الاولي بان كريستوفر كولمبوس ظل حتى نهاية حياته يعتقد أنه قد وصل إلى جزر الهند الشرقية (الإنديز) التي كان يسعى لاكتشافها. لقد هبط على الجزر القريبة من اليابان ومن البر الرئيسي للصين. كما طاف بسواحل ماركو بولو المعروفة باسم مانجي (والصين أيضًا)، بل كان قريبًا من المناطق التي سيطر عليها جنكيز خان العظيم‘، كان الفرسخ في العصور الوسطى يمثل المسافة التي تستطيع سفينة عادية قطعها في ساعة، وهو يعادل من سبعة إلى إثني عشر ميلًا تقريبًا. ربما نسخر الآن من الوهم القاتل الذي سيطر على أفكار كولومبوس لكن ذلك الأمر يكشف لنا عن حياته وعن رحلته الاستكشافية البطولية، حيث تُظهر هذه الرحلات أن كولومبوس الذي اكتشف العالم الجديد كان ينتمي إلى العصور الوسطى أكثر من انتمائه إلى العصر الحديث.
جسد كولومبوس، عن علم أو جهل، كل مظاهر القوى التاريخية السافرة، ففي المقام الأول، كانت رحلاته تمثل قمة سلسلة من الانتصارات الملاحية الهائلة التي بدأت قبل قرون سابقة. (كتب بارتولومي دي لاكاساس Bartolome´ de las Casas عن تلك الرحلات في القرن السادس عشر). كانت بعض تلك الرحلات أطول من رحلات كولومبوس، وإن لم تكن أقل خطورة. على أية حال، تمثل تلك الرحلات الاستكشافية أعظم سمة امتلكها الإنسان: ألا وهي سمة الفضول العقلي. وباستثناء السفر إلى الفضاء الخارجي، كانت مغامرات البشر في ارتياد المجهول خلال العصور الوسطى تمثل أمرًا يبدو لنا اليوم من المستحيلات مع وضع في الحسبان الفاصل الزمني بيننا وبين كولومبوس. ورغم أن الرغبة في تحقيق النفع التجاري لم تكن الدافع وراء مغامرات أولئك الرحالة، فمن المؤكد أن تلك الرحلات كانت تمثل حب الاستطلاع في أبهى صوره.
وكما سبق أن أوردنا، مر زمن لم تكن فيه أوروبا هي الرائدة في السفر والاستكشاف، فقد اكتشف اليونانيون المحيط الأطلنطي في القرن السابع قبل الميلاد وأطلقوا على مضايق جبل طارق اسم أعمدة هرقل. وذهب هكتاتيوس الملطي إلى أن العالم موجود على شكل طبق مسطح دائري الشكل مركزه يقع في مكان ما بالقرب من طروادة التي نطلق عليها الآن إسطنبول، وهي تقع بالقرب من البحر المتوسط المفتوح على المحيط الذي كان يحيط تمامًا بالأرض. وفي أواخر القرن السادس قبل الميلاد، قدم أحد أتباع فيثاغورث في جنوب إيطاليا فكرة مفادها أن الأرض ليست سوى كرة ضمن عشرة أجسام مماثلة تدور حول لهب مركزي في الفضاء. وقد اشتملت تلك الأجسام على أجرام أخرى هي الشمس، والقمر، والنجوم الثابتة (السماء)، والكواكب الخمسة، كما اشتملت على يابسة أخرى في الجهة المقابلة. ولا يستطيع قاطنوا الأرض رؤية النار المركزية أو الأرض المقابلة لأن الجزء المأهول من كوكب الأرض دائم الابتعاد عن النار المركزية. اعتقد كثير من الناس بأن القول بإن الأرض مسطحة أمر بديهي، غير أن كلا من سقراط وأفلاطون قبلا رأي فيثاغورث، بل ذهب سقراط إلى أبعد من ذلك حين قال إن الأرض تبدو مسطحة فقط بسبب ضخامة حجمها.
أدرك اليونانيون أن اليابسة تمتد من أسبانيا غربًا حتى مشارف الهند تجاه الشرق، بل راجت أقاويل بأنها تمتد إلى أكثر من ذلك نحو الشرق. وكانت الأرض الممتدة في الاتجاه من الشمال إلى الجنوب غير مألوفة بالدرجة نفسها على الرغم من أن أرسطو كان يعتقد أنها تصل إلى ثلاثة أخماس المسافة من الشرق إلى الغرب. والأمر الأكثر أهمية أنه تمسك بالرأي القائل إن قارة آسيا تمتد تجاه الشرق، بل قال إنها تمتد على طول الطريق المحيط بالعالم، وذكر وجود كمية محدودة من الماء بين أسيا وأعمدة هرقل. ولقد كانت هذه الفكرة قوية وتحظى بقبول واسع وظلت واسعة الانتشار عندما شرع كولومبوس في رحلاته الاستكشافية بعد ذلك بقرون.
كان أول الرحالة العظام الذي سمعنا عنهم هو بيثياس Pytheas الذي عاش في ماساليا (التي نعرفها الآن باسم مارسيليا). عرف ساكنوا ماساليا من البحارة الذين سافروا عبر نهر الرون وقابلوا رحالة آخرين، بوجود بحر في الشمال بالغ الضخامة حتى قيل إنه يحتوي على جزر تنتج معادن نفيسة ومادة راتينجية جميلة بنية اللون غالية الثمن تُسمى العنبر. ولكن نهر الرون لا يمتد حتى هذا البحر الشمالي ولم يكن أحد يعرف حدوده النهائية.
وفي حوالي عام 330 قبل الميلاد ذكر البحارة العائدين إلى الميناء من غرب البحر المتوسط أن أعمدة هرقل ليست آمنة. لقد وجد تجار ماساليا في ذلك القول الفرصة التي طالما انتظروها. لقد كان الطريق أمامهم ممهدًا لأن يواصلوا الإبحار للبحث عن ذلك البحر الشمالي، واختاروا بيثياس للقيام بتلك الرحلة وتم تزويده بسفينة يبلغ طولها حوالي مئة وخمسين قدمًا (وكانت أكبر حجمًا من تلك التي أبحر بها كولومبوس).
بعد أن وصل بيثياس إلى اليابسة شق طريقه نحو شمال فرنسا، ثم أبحر عبر الأمطار والضباب بين إنجلترا وأيرلندا حتى وصل إلى مجموعة من الجزر أطلق عليها اسم أوركا Orka (ما زلنا نردد حتى اليوم كلمة الأوركنيس)، ثم انطلق إلى ما وراء شيتلاند وجزر فارو حتى وصل في أول يوم من أيام الصيف إلى يابسة استمرت الشمس فيها ساطعة فوق الأفق لمدة أربع وعشرين ساعة. أُطلق على تلك الأرض اسم ثولي Thule، وظل اسم “ثولا النهائية” لعدة قرون يمثل نهاية العالم في ذلك الاتجاه – ربما كانت تلك المنطقة هي أيسلندا أو النرويج، أو جزر شيتلاند أو فارو. عاد بيثياس عبر الدنمارك والسويد حيث وجد بحرًا واسعا يمتد إلى الجزر النائية في البلطيق، وبدأ بحثه عن أرض العنبر. لقد اكتشف الأنهار التي تتدفق من الجنوب إلى الشمال (مثل نهر Oder وفيستيولا Vistula) وأدرك من خلال ذلك كيفية وصول أخبار البحر الشمالي لسكان منطقة البحر المتوسط. وعندما عاد إلى وطنه رفض كثير من الناس تصديق أقواله. وهكذا سيطر القرطاجيون على أعمدة هرقل وعلى الأطلنطي الذي عبروه مرة أخرى. من ناحية أخرى، عرف اليونانيون أن هناك مكانًا يُسمى الهند يقع وراء بلاد فارس. لقد سمعوا حكايات عجيبة عن مَلِك عظيم بمقدوره أن يأمر مئة ألف من الفيلة الاشتراك في الحرب؛ وأن هناك بشرًا لهم رؤوس كلاب، وديدان ضخمة تستطيع أن تجر الثور أو الجمل إلى النهر ثم تبتلعه. وفي عام 331 قبل الميلاد بدأ الإسكندر الأكبر سلسلة غزواته التي تجاوزت بلاد فارس ووصلت به إلى أفغانستان بل وحملته بعيدًا حتى نهر السند Indus river ، وهناك واجه التماسيح والديدان العملاقة التي تحدثت عنها الأسطورة. وقد أبحر جنوبًا عبر نهر السند حتى وصل إلى محيط عظيم، كان يُدعى المحيط الجنوبي العظيم، وهو الاسم الشائع آنذاك. لقد انجلت ’ الحقيقة‘أمام أعين القدماء – وهي أن الأرض محاطة بالبحر من كل جانب.



