مقالات

أحمد صادق يكتب: بعد مشادة نواب أسيوط.. هل حان وقت فحص الذمم المالية للنواب وذويهم؟

لم تكن المشادة الكلامية التي شهدها أحد الاجتماعات التي ضمت عددًا من أعضاء مجلس النواب عن محافظة أسيوط مجرد لحظة عابرة مرت وانتهت، بل أثارت حالة من الجدل والنقاش بين المواطنين، خاصة مع تداول روايات وتصريحات مختلفة حول تفاصيل ما جرى.

ومن المهم هنا التأكيد منذ البداية أن الحديث عن الواقعة يجب أن يظل في إطار النقاش الصحفي الموضوعي، بعيدًا عن إطلاق الاتهامات أو إصدار أحكام مسبقة على أي طرف.

فالاختلاف في الرأي داخل العمل العام أمر طبيعي، والنقاش بين أعضاء مجلس النواب قد يكون حادًا أحيانًا، لكن الأهم هو ألا يتحول الخلاف إلى خصومة شخصية، وأن تظل مصلحة المواطن هي الهدف الأساسي.

من المشادة إلى سؤال أكبر

ما أثار الانتباه بعد الواقعة لم يكن فقط تفاصيل المشادة، وإنما ما صاحبها من حديث ومطالبات تتعلق بمبدأ الشفافية والرقابة على المسؤولين وأعضاء المجالس النيابية.

وهنا يجب أن نكون واضحين للغاية:

الحديث عن فحص الذمة المالية أو المطالبة بالشفافية لا يعني اتهام أي نائب بارتكاب مخالفة.

فالذمة المالية شأن قانوني له إجراءات وجهات مختصة، وأي فحص أو مراجعة يجب أن تتم من خلال القنوات الرسمية والقانونية، وليس من خلال مواقع التواصل الاجتماعي أو المناقشات العامة.

وفي الوقت نفسه، فإن مبدأ الرقابة والشفافية في الحياة العامة ليس أمرًا سلبيًا، بل هو جزء طبيعي من أي نظام مؤسسي يسعى إلى تعزيز ثقة المواطنين في ممثليهم.

لا اتهام بلا دليل

وهنا تأتي المسؤولية الأكبر على الإعلام.

فمن السهل أن تتحول واقعة سياسية أو مشادة كلامية إلى عناوين مثيرة، ثم تتحول العناوين إلى اتهامات، وبعدها يجد القارئ نفسه أمام معلومات لم تثبتها جهة رسمية.

وهذا أمر يجب الحذر منه.

لذلك فإن تناول أي حديث عن الذمم المالية يجب أن يكون بصياغة دقيقة، مثل:

“مطالبات بالشفافية والفحص وفقًا للقانون”

وليس:

“فحص ذمم بسبب وجود مخالفات”.

الفرق بين العبارتين كبير جدًا.

الأولى تطرح سؤالًا عامًا ومشروعًا حول الشفافية.

أما الثانية فتتضمن إيحاءً بوجود مخالفة، وهو أمر لا يجوز نسبته إلى أي شخص دون مستند رسمي أو قرار من جهة مختصة.

المواطن يريد إجابة عن سؤال واحد

المواطن الأسيوطي في النهاية لا يبحث عن معركة بين نائب ونائب.

ولا يعنيه من كان صوته أعلى في الاجتماع.

ولا يريد أن تتحول الخلافات السياسية إلى خصومات شخصية.

المواطن يريد أن يعرف:

ماذا قدم النائب لدائرته؟

ما الملفات التي تابعها؟

ما المشكلات التي طرحها أمام المسؤولين؟

وما الذي تحقق على أرض الواقع؟

هذه هي الأسئلة التي يجب أن تكون في مقدمة المشهد.

أما الخلافات الشخصية، فيجب أن تظل في أدنى درجات اهتمام الرأي العام، ما لم تكن مرتبطة بواقعة موثقة أو قضية ذات شأن عام.

الشفافية ليست اتهامًا

إذا طالب مواطن أو إعلامي أو أي طرف سياسي بمزيد من الشفافية، فلا ينبغي أن يُفهم ذلك تلقائيًا على أنه اتهام.

وفي المقابل، لا يجوز استخدام شعار الشفافية كوسيلة لإطلاق اتهامات غير موثقة.

المعادلة العادلة بسيطة:

لا اتهام بلا دليل، ولا إدانة بلا حكم، ولا فحص خارج إطار القانون، ولا حصانة تمنع الرقابة المشروعة.

وهذا هو الطريق الذي يحفظ حقوق الجميع.

يحفظ حق المواطن في السؤال.

ويحفظ حق المسؤول أو النائب في حماية سمعته من الاتهامات غير المثبتة.

ويحفظ للإعلام دوره في نقل المعلومات دون تجاوز أو تشهير.

أسيوط تحتاج إلى العمل لا الخلاف

أسيوط أمامها العديد من الملفات التي تحتاج إلى جهود النواب والمسؤولين معًا.

هناك ملفات الصحة والتعليم والطرق والصرف الصحي ومياه الشرب والإسكان وفرص العمل والخدمات العامة، وغيرها من الملفات التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

ولهذا فإن كل دقيقة يقضيها المسؤول أو النائب في خلاف جانبي، هي دقيقة كان يمكن أن تُستغل في متابعة مشكلة أو تقديم مقترح أو التواصل مع مواطن.

الاختلاف مطلوب.

والرقابة مطلوبة.

والمحاسبة مطلوبة.

لكن كل ذلك يجب أن يتم داخل المؤسسات وبالأدوات التي حددها القانون.

رسالة إلى الجميع

رسالتي ليست إلى نائب بعينه، وإنما إلى كل من يعمل في المجال العام.

لا تجعلوا الخلاف السياسي يتحول إلى خصومة شخصية.

وإذا كان هناك اختلاف، فليكن اختلافًا في الرؤى والبرامج والحلول.

وإذا كانت هناك ملاحظات، فلتقدم بالمستندات والطرق الرسمية.

وإذا كانت هناك مطالب بالشفافية، فلتكن في إطار القانون.

وإذا كانت هناك اتهامات، فلتترك للجهات المختصة للتحقيق والفصل فيها.

أما الإعلام، فعليه أن يبقى في موقعه الطبيعي: ينقل، ويدقق، ويسأل، ويعرض وجهات النظر، دون أن يتحول إلى جهة اتهام أو محكمة.

كلمة أخيرة

المشهد الذي شهدته أسيوط يجب ألا يتحول إلى مادة للخلاف فقط، بل يمكن أن يكون فرصة لطرح سؤال أكبر:

كيف نريد أن تكون العلاقة بين النائب والمواطن؟

نريدها علاقة تقوم على الثقة، لكن الثقة لا تعني غياب الرقابة.

ونريدها علاقة تقوم على الاحترام، لكن الاحترام لا يعني منع النقد.

ونريدها علاقة تقوم على الشفافية، لكن الشفافية لا تعني إطلاق الاتهامات.

في النهاية، النائب مواطن اختارته الإرادة الانتخابية ليمثل المواطنين، والإعلام مسؤول عن نقل الصورة، والمواطن صاحب الحق الأصيل في السؤال والمتابعة.

أما الحقيقة الكاملة في أي واقعة أو ادعاء، فتظل من اختصاص الجهات الرسمية والقانونية المختصة.

وهنا يجب أن يكون شعار الجميع: رقابة بلا تشهير، نقد بلا إساءة، وشفافية بلا اتهامات مسبقة.

أقرا أيضا

. من «كرتونة النجاح» إلى مقعد البرلمان.. هل يستحق نواب أسيوط ثقة الناس؟

أحمد صادق يكتب | مصر.. الدولة التي لا تهتز أمام العواصف

أحمد صادق يكتب | مصر.. وطن لا يعرف الانكسار وأمنه مسؤولية الجميع


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى