غير مصنف

أحمد صادق يكتب: عندما تتراجع المدرسة.. وتتمدد الدروس الخصوصية.. من ينقذ التعليم في أسيوط؟

أحمد صادق يكتب: مدارس أسيوط بين الحصة والدرس الخصوصي.. هل تراجع دور المدرسة لصالح الدروس؟ ومن يعيد للطالب حقه في تعليم حقيقي داخل الفصل دون أعباء إضافية على أسرته؟

هناك أسئلة لا يجوز أن نهرب منها، حتى لو كانت الإجابة عنها صعبة.

وهناك ملفات لا يكفي معها إطلاق البيانات أو الحديث عن الاستعدادات، لأنها ببساطة تمس مستقبل أبنائنا.

ومن بين أكثر الملفات التي تستحق وقفة جادة في أسيوط وغيرها من المحافظات، ملف المدرسة المصرية وعلاقتها بالطالب والمعلم، وتراجع الدور الحقيقي للحصة المدرسية أمام تمدد ظاهرة الدروس الخصوصية والحصص خارج المدرسة.

ولنكن واضحين منذ البداية:

هذه ليست دعوة للهجوم على المعلمين، ولا اتهامًا لكل مدرس بأنه يهمل المدرسة لصالح الدروس الخاصة.

ففي مدارسنا معلمون مخلصون يبذلون جهودًا كبيرة، ويؤدون رسالتهم رغم صعوبة الظروف وضغوط العمل.

لكن وجود نماذج مشرفة لا يمنعنا من طرح السؤال الأصعب:

هل أصبحت المدرسة في بعض الحالات مجرد محطة للحضور والانصراف، بينما يتحول الشرح الحقيقي والمتابعة والاهتمام إلى خارجها؟

إذا كانت الإجابة نعم في بعض الحالات، فهذه ليست مشكلة طالب أو ولي أمر فقط، وإنما مشكلة منظومة كاملة تحتاج إلى مراجعة.


المدرسة أولًا.. أم أصبحت الدروس الخصوصية هي البديل؟

الطالب يدخل المدرسة صباحًا، يجلس في الفصل، يستمع إلى الحصة، ثم يعود إلى المنزل ليبدأ رحلة أخرى من الدروس والحصص الخاصة.

وفي كثير من الأسر، أصبحت تكلفة التعليم لا تتوقف عند الكتب والأدوات والمواصلات، وإنما تمتد إلى مبالغ شهرية تتحملها الأسرة من أجل الدروس.

وهنا يجب أن نسأل:

إذا كان الطالب يحتاج إلى شرح المادة مرة أخرى خارج المدرسة بصورة شبه دائمة، فما الذي يحدث داخل الحصة المدرسية؟

هل المشكلة في كثافة الفصول؟

هل الوقت المتاح للحصة غير كافٍ؟

هل المناهج تحتاج إلى تطوير؟

هل هناك قصور في المتابعة؟

هل يحتاج المعلم إلى تدريب أفضل؟

أم أن هناك ممارسات فردية تجعل الطالب يشعر بأن الحصة المدرسية لا تكفي لفهم المادة؟

كل هذه الأسئلة تحتاج إلى دراسة حقيقية، لا إلى ردود فعل مؤقتة.


الدروس الخصوصية.. عبء يضغط على الأسرة المصرية

الدروس الخصوصية لم تعد بالنسبة لكثير من الأسر مجرد خيار إضافي.

في بعض البيوت، أصبحت بندًا أساسيًا من بنود الإنفاق على التعليم.

وهنا يتحول السؤال من قضية تعليمية إلى قضية اجتماعية واقتصادية أيضًا.

فالأسرة التي لديها أكثر من ابن في مراحل تعليمية مختلفة تجد نفسها أمام التزامات مالية متزايدة، بينما يفترض أن تكون المدرسة هي المكان الرئيسي الذي يحصل فيه الطالب على التعليم.

والأخطر أن بعض الأسر قد تضطر إلى تقليل نفقات أساسية أخرى حتى تتمكن من توفير تكاليف الدروس لأبنائها، خوفًا من أن يتراجع مستواهم الدراسي.

وهذا يخلق فجوة خطيرة بين طالب يستطيع تحمل تكلفة الدروس، وطالب آخر لا تستطيع أسرته تحملها.

وهنا تصبح قضية تكافؤ الفرص التعليمية أمام اختبار حقيقي.


المعلم ليس خصمًا.. لكن المدرسة يجب أن تستعيد مكانتها

من الخطأ أن نضع المعلم في مواجهة المجتمع.

المعلم جزء أساسي من الحل، وليس المشكلة كلها.

لكن في الوقت نفسه، من حق الدولة وولي الأمر والطالب أن يحصلوا على أداء تعليمي حقيقي داخل المدرسة.

ومن حق المدرسة أن تكون المكان الأول الذي يتلقى فيه الطالب العلم والتوجيه والمتابعة.

إذا كان هناك معلم يؤدي واجبه داخل المدرسة بإخلاص، فهذا يستحق التقدير.

أما إذا كانت هناك ممارسات تجعل الطالب يشعر أن اهتمام المعلم بالمادة يبدأ خارج المدرسة أكثر مما يبدأ داخل الفصل، فهنا يجب أن تكون هناك رقابة ومراجعة.

ليس من أجل العقاب فقط، وإنما من أجل إصلاح الخلل.


لماذا يفقد بعض الطلاب الثقة في الحصة المدرسية؟

السؤال يحتاج إلى إجابات علمية.

الطالب لا يترك الحصة المدرسية ويتجه إلى الدرس الخاص من فراغ دائمًا.

أحيانًا يكون السبب هو رغبة الأسرة في الحصول على متابعة أكبر.

وأحيانًا تكون كثافة الفصل عائقًا أمام التواصل بين المعلم والطلاب.

وفي حالات أخرى قد يكون مستوى الطالب ضعيفًا ويحتاج إلى دعم إضافي.

لكن إذا أصبحت الدروس الخصوصية هي الطريق الطبيعي شبه الإجباري لفهم المنهج بالنسبة إلى أعداد كبيرة من الطلاب، فإن علينا أن نتوقف ونسأل:

هل نجحنا في جعل المدرسة كافية للطالب؟

وإذا لم تنجح المدرسة في ذلك، فلماذا؟


أسيوط تستحق تعليمًا أقوى

أسيوط ليست محافظة هامشية عندما يتعلق الأمر بالتعليم.

هي محافظة كبيرة، ولديها آلاف المدارس ومئات الآلاف من الطلاب والمعلمين، وبالتالي فإن أي مشكلة داخل العملية التعليمية لا ينبغي التعامل معها باعتبارها حالات فردية متفرقة دون محاولة فهم الصورة الأكبر.

نحن نحتاج إلى مراجعة حقيقية لواقع المدارس.

نحتاج إلى معرفة:

  • هل الحصص المدرسية تؤدي دورها كما ينبغي؟
  • هل الفصول مجهزة بالشكل المناسب؟
  • هل كثافات الطلاب تؤثر على جودة التعليم؟
  • هل هناك متابعة فعلية لمستوى أداء المعلمين؟
  • هل يحصل الطلاب على الدعم الكافي داخل المدرسة؟
  • ما حجم الاعتماد على الدروس الخصوصية؟
  • وما الإجراءات التي يمكن اتخاذها لتقليل هذا الاعتماد؟
  • وهل توجد آليات واضحة لاستقبال شكاوى أولياء الأمور والطلاب والتعامل معها بجدية؟

هذه ليست أسئلة للهجوم.

هذه أسئلة الإصلاح.


لا نريد مدرسة للحضور والانصراف

أسوأ ما يمكن أن يحدث للتعليم هو أن تتحول المدرسة إلى مجرد مكان يذهب إليه الطالب صباحًا، ثم يبحث عن التعليم الحقيقي في مكان آخر.

المدرسة يجب أن تكون مركز العملية التعليمية.

فيها يتعلم الطالب، ويناقش، ويسأل، ويخطئ، ويصحح أخطاءه، ويمارس الأنشطة، ويتفاعل مع زملائه، ويتلقى التوجيه.

أما أن يصبح اليوم الدراسي مجرد ساعات تنتهي ثم تبدأ رحلة الدروس، فهذا يعني أن هناك خللًا يستحق البحث.

المدرسة ليست مبنى وفصولًا وسبورة فقط.. المدرسة رسالة.


ومن المسؤول عن إعادة الثقة إلى المدرسة؟

المسؤولية ليست على المعلم وحده.

ولا تقع على الإدارة المدرسية وحدها.

ولا يمكن تحميل ولي الأمر وحده مسؤولية انتشار الدروس الخصوصية.

المسؤولية مشتركة بين الوزارة والمديريات والإدارات التعليمية والإدارات المدرسية والمعلمين وأولياء الأمور والمجتمع.

لكن لكل طرف دوره.

وزارة التربية والتعليم مسؤولة عن السياسات.

المديريات والإدارات مسؤولة عن المتابعة والتنفيذ.

إدارة المدرسة مسؤولة عن الانضباط والبيئة التعليمية.

المعلم مسؤول عن أداء رسالته داخل الفصل.

ولي الأمر مسؤول عن متابعة أبنائه والتعاون مع المدرسة.

والطالب نفسه يجب أن يكون شريكًا في العملية التعليمية.


الرقابة ليست عقابًا.. الرقابة حماية للتعليم

عندما نتحدث عن الرقابة على المدارس، لا ينبغي أن يفهم الأمر باعتباره بحثًا عن أخطاء المعلمين.

الرقابة الحقيقية يجب أن تكون وسيلة للتأكد من أن الطالب يحصل على حقه.

هل تبدأ الحصة في موعدها؟

هل يتم شرح المنهج؟

هل توجد متابعة للطلاب الضعفاء؟

هل يحصل الطالب على فرصة للسؤال؟

هل المدرسة تقوم بدورها؟

هل يتم التعامل مع الغياب والتقصير؟

وهل توجد شكاوى متكررة من الطلاب أو أولياء الأمور تستوجب التحقيق؟

هذه الأسئلة يجب أن تكون جزءًا من منظومة متابعة مستمرة، وليس حملة تفتيش موسمية.


الدروس الخصوصية لن تختفي بالقرارات وحدها

من السهل أن نقول: «يجب القضاء على الدروس الخصوصية».

لكن الواقع أكثر تعقيدًا.

لا يمكن إنهاء الظاهرة بقرار إداري فقط.

إذا أرادت الدولة تقليل الاعتماد عليها، فيجب أن تجعل المدرسة أكثر قدرة على تلبية احتياجات الطالب.

حصة مدرسية قوية، فصل مناسب، معلم مؤهل، شرح واضح، متابعة مستمرة، أنشطة، تقييم عادل، وتواصل حقيقي مع الأسرة.

عندما يشعر الطالب أن المدرسة تمنحه ما يحتاجه، ستتراجع الحاجة إلى البحث عن البديل.

أما إذا ظلت المدرسة عاجزة عن تلبية احتياجات بعض الطلاب، فسوف يستمر السوق في تقديم البدائل.


الطالب هو الحلقة التي يجب ألا تضيع

وسط كل هذا الجدل، يجب ألا ننسى صاحب الحق الأول.

الطالب.

الطالب الذي يذهب إلى المدرسة بحثًا عن المعرفة.

الطالب الذي تستنزف أسرته جزءًا من دخلها لتوفير التعليم.

الطالب الذي يحلم بمستقبل أفضل.

لا يجوز أن يكون الطالب هو الطرف الذي يدفع ثمن أي خلل في التخطيط أو المتابعة أو الأداء.

ولا يجوز أن يصبح مستقبله مرتبطًا بقدرة أسرته على دفع تكلفة الدروس الخصوصية.


نريد معلمًا قويًا.. ومدرسة قوية

الإصلاح الحقيقي لا يحتاج إلى معركة بين المعلم والمدرسة.

نحتاج إلى معلم يشعر بقيمة رسالته ويحصل على التقدير والتدريب والدعم.

وفي الوقت نفسه، نحتاج إلى مدرسة قوية تحافظ على مكانتها وتضمن للطالب حقه في تعليم جيد داخلها.

المعلم القوي يحتاج إلى مدرسة قوية، والمدرسة القوية تحتاج إلى إدارة قوية، والاثنان يحتاجان إلى منظومة تعليمية تتابع وتدعم وتحاسب بعدل.


إلى مسؤولي التعليم في أسيوط.. الأسئلة على الطاولة

إلى مديرية التربية والتعليم بأسيوط والإدارات التعليمية والمدارس:

لسنا ضد أحد.

ولسنا في معركة مع المعلمين.

لكننا نريد أن نعرف:

ماذا تفعلون لاستعادة ثقة الطالب في المدرسة؟

ماذا تفعلون لضمان جودة الحصة المدرسية؟

كيف تتم متابعة أداء المعلمين؟

كيف يتم التعامل مع شكاوى أولياء الأمور؟

كيف تتم مواجهة أي ممارسات خاطئة قد تدفع الطالب إلى الاعتماد على الدروس الخصوصية؟

وكيف يمكن أن يشعر ولي الأمر أن المدرسة قادرة فعلًا على تعليم ابنه؟

هذه الأسئلة تستحق إجابات عملية.


وأخيرًا.. التعليم لا يحتمل المجاملة

إذا أردنا إصلاح التعليم، فعلينا أن نتوقف عن الخوف من تسمية المشكلات بأسمائها.

هناك معلمون يستحقون كل احترام وتقدير.

وهناك مدارس تبذل جهودًا كبيرة.

وهناك قيادات تعمل بإخلاص.

لكن وجود النماذج الجيدة لا يعني أن المشكلات غير موجودة.

والاعتراف بالمشكلة ليس إساءة للتعليم.. بل هو أول خطوة في إصلاحه.

نريد أن تعود المدرسة إلى مكانتها.

نريد أن يدخل الطالب الفصل وهو مؤمن بأن الحصة ستضيف إليه، لا أن تكون مجرد تمهيد لدرس آخر خارج المدرسة.

نريد أن يكون المعلم قدوة ومربيًا قبل أن يكون شارحًا للمنهج.

نريد أن يشعر ولي الأمر أن المدرسة شريك حقيقي في تربية وتعليم ابنه، وليس مجرد جهة تمنحه شهادة في نهاية العام.

الدروس الخصوصية ليست وحدها المشكلة.. المشكلة الأكبر أن يشعر الطالب بأنه لا يستطيع الاستغناء عنها.

وهنا يجب أن يبدأ الإصلاح.

فإذا كانت المدرسة قوية، قل الاحتياج إلى البديل.

وإذا كانت الحصة فعالة، زادت ثقة الطالب في معلمه.

وإذا كانت الرقابة حقيقية، تراجعت مساحات الإهمال.

وإذا حصل المعلم على حقوقه وتدريبه وتقديره، أصبح أكثر قدرة على أداء رسالته.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم:

هل نريد مدرسة يذهب إليها الطالب لأن التعليم الحقيقي موجود داخلها، أم مدرسة يذهب إليها الطالب صباحًا ثم يبحث عن التعليم الحقيقي في مكان آخر؟

الإجابة عن هذا السؤال ليست مسؤولية أسيوط وحدها، لكنها مسؤولية كل من يملك قرارًا أو دورًا في مستقبل التعليم.

أقرا أيضا

نواب أسيوط والخدمات.. أين النواب من طرق الموت ومشكلات المواطن؟

سور محكمة أسيوط يفتح باب الأسئلة.. بعد إزالة السور هل تغيرت خريطة المكان؟ ومن يملك الإجابة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى