آلاف الأقباط يتوافدون على دير درنكة بأسيوط احتفالًا بصوم العذراء وسط أجواء روحانية فريدة

كيرلس نادى
دير السيدة العذراء بدرنكة.. قبلة الزائرين في صوم العذراء
يشهد دير السيدة العذراء مريم بجبل درنكة في أسيوط هذه الأيام تدفقًا جماهيريًا كبيرًا من الأقباط من مختلف محافظات مصر، وذلك في إطار احتفالات صوم العذراء الذي يُعد من أهم المناسبات الدينية في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. فخلال اليوم التاسع من الصوم، توافدت آلاف الأسر المسيحية لتشارك في القداسات والنهضات الروحية، وتعيش أجواءً إيمانية تعكس عمق ارتباط الأقباط بميراثهم الروحي والتاريخي.
ويُعتبر دير درنكة من أبرز محطات رحلة العائلة المقدسة إلى مصر، ما يضفي على الاحتفالات بعدًا تاريخيًا وسياحيًا بجانب البُعد الديني، ويجعله مقصدًا سنويًا لعشرات الآلاف من الزوار المصريين والأجانب الذين يحرصون على الحضور وطلب البركة.
الأجواء الروحية والقداسات اليومية
منذ اليوم الأول لانطلاق الصوم، يحرص الزوار على التواجد داخل الدير والإقامة في محيطه طوال فترة الاحتفالات، حيث يتفرغون للصلاة والخلوات الروحية، وسط أجواء يغمرها السكون والروحانية. وتُقام القداسات اليومية داخل كنائس الدير، بمشاركة عدد من الآباء الكهنة والشمامسة، بينما يتصدر المشهد الأنبا يؤانس، أسقف أسيوط ورئيس دير السيدة العذراء بدرنكة، الذي يقود معظم الصلوات.
ومن أبرز الطقوس التي تلفت أنظار الزوار هي دورة الملكة، والتي تُقام يوميًا خلال شهر أغسطس، حيث يشارك فيها شمامسة الدير حاملين الأيقونات المقدسة للسيدة العذراء والسيد المسيح، في مشهد مهيب يلهب مشاعر الحاضرين ويمنحهم إحساسًا عميقًا بالسلام الروحي.
فعاليات متنوعة خلال فترة الصوم
لا تقتصر احتفالات دير درنكة على القداسات فقط، بل تشمل برنامجًا متكاملًا من النهضات الروحية التي تُقام في المساء، إضافة إلى تسبحة نصف الليل التي يترأسها الأنبا يؤانس بنفسه، ويشارك فيها آلاف المصلين الذين يرتلون مدائح وتراتيل مخصصة للسيدة العذراء.
كما تُعقد لقاءات روحية وتعليمية تستهدف نشر القيم المسيحية وتعميق الإيمان بين الشباب والأسر، إلى جانب جلسات اعتراف وخلوات شخصية تمنح الزائرين فرصة للتقرب أكثر إلى الله.
أهمية دير درنكة في رحلة العائلة المقدسة
يرتبط دير السيدة العذراء بدرنكة بذكرى زيارة العائلة المقدسة لمصر، حيث يُروى أن السيدة العذراء والطفل يسوع والقديس يوسف النجار احتموا بمغارة داخل الجبل الذي يقع فيه الدير. ولهذا يُعتبر الدير من أقدس المزارات المسيحية في مصر والعالم، ويُدرج على خريطة السياحة الدينية التي أطلقتها الدولة المصرية لإحياء مسار العائلة المقدسة.
وتعمل الحكومة المصرية بالتعاون مع الكنيسة على تطوير البنية التحتية في محيط الدير، وتسهيل وصول الزوار إليه عبر تحسين الطرق والخدمات، ما يساهم في تنشيط السياحة الدينية وفتح آفاق اقتصادية جديدة لمحافظة أسيوط.
السياحة الدينية في أسيوط
تشهد محافظة أسيوط خلال فترة صوم العذراء طفرة سياحية، حيث تتوافد الحافلات من مختلف المحافظات محملة بالزوار، كما يحضر عدد من الأجانب المهتمين بمسار العائلة المقدسة. وتستفيد المحافظة اقتصاديًا من هذا الحراك، سواء من خلال حركة النقل والمواصلات أو الأنشطة التجارية المحيطة بالدير من مطاعم وبازارات وأسواق شعبية.
ويؤكد خبراء السياحة أن دير درنكة يُعتبر نموذجًا حيًا لتكامل البُعدين الديني والاقتصادي، حيث يربط بين الإيمان العميق للأقباط وبين تعزيز مكانة مصر كوجهة عالمية للسياحة الدينية.
دور الأنبا يؤانس في تنظيم الاحتفالات
يحظى الأنبا يؤانس، أسقف أسيوط ورئيس الدير، بمكانة بارزة وسط الأقباط، نظرًا لدوره الروحي والإداري في تنظيم الاحتفالات وضمان سيرها بشكل منظم وآمن. فهو يقود الصلوات، ويترأس القداسات، ويشارك في خدمة الزوار، إلى جانب كونه سكرتير المجمع المقدس، ما يمنحه ثقلًا كنسيًا كبيرًا.
ويصف الكثير من الزوار أجواء الدير بأنها “استثنائية”، إذ يشعرون بالقرب الروحي والسكينة خلال فترة إقامتهم هناك، مؤكدين أن وجودهم في هذا المكان المقدس يمثل لهم فرصة متجددة للتوبة والتجديد الروحي.
البعد الاجتماعي للاحتفالات
بعيدًا عن الطابع الديني، تمثل احتفالات صوم العذراء في دير درنكة مناسبة اجتماعية بارزة، حيث تجتمع العائلات والأصدقاء من مختلف المحافظات، ويلتقون في أجواء من المحبة والمشاركة. ويحرص الكثيرون على توارث عادة زيارة الدير جيلًا بعد جيل، مما يعكس رسوخ التقاليد القبطية في وجدان المصريين.
الدولة تدعم الاحتفالات وتؤمن الزوار
تحرص الأجهزة التنفيذية والأمنية بمحافظة أسيوط على توفير كافة الخدمات خلال فترة الاحتفالات، حيث يتم تكثيف الإجراءات الأمنية لتأمين الزوار وضمان سلامتهم، إلى جانب تنظيم حركة المرور وتوفير سيارات إسعاف لخدمة الحالات الطارئة. كما تشارك وزارة السياحة والآثار في دعم الترتيبات الخاصة بمسار العائلة المقدسة وتطوير البنية التحتية حول الدير.
رسالة سلام من دير درنكة
تتجاوز احتفالات صوم العذراء البُعد المحلي لتوجه رسالة سلام إلى العالم أجمع، مفادها أن مصر ما زالت أرضًا مباركة احتضنت العائلة المقدسة، وأنها بلد التسامح والتعايش. ومن هنا، فإن دير درنكة لا يمثل فقط مزارًا قبطيًا، بل معلمًا إنسانيًا يبرز الوجه الروحي والحضاري لمصر.
كلمة أخيرة
إن مشهد آلاف الأقباط الذين يتوافدون يوميًا على دير السيدة العذراء بدرنكة في أسيوط للاحتفال بصوم العذراء هو تجسيد حي للإيمان العميق والتمسك بالتراث الروحي. ومع استمرار هذه الاحتفالات حتى نهاية شهر أغسطس، يظل الدير شاهدًا على قوة الروحانية القبطية وعلى قدرة مصر على المزج بين الدين والسياحة والثقافة في إطار واحد يعزز هويتها الحضارية ويخدم خططها التنموية.



