مقالات

. من «كرتونة النجاح» إلى مقعد البرلمان.. هل يستحق نواب أسيوط ثقة الناس؟

هناك سؤال يجب أن يُطرح بكل صراحة، بعيدًا عن المجاملات والحسابات السياسية: هل كل من وصل إلى مقعد مجلس النواب نجح بالفعل في مهمته؟

فالنجاح في الانتخابات شيء، والنجاح في تمثيل المواطنين شيء آخر تمامًا.

قد يفوز مرشح بمقعده، وقد تأتي أسماء أخرى عن طريق القوائم وفق النظام الانتخابي، لكن المواطن في النهاية لا يعنيه كثيرًا كيف جلس النائب تحت قبة البرلمان بقدر ما يعنيه سؤال واحد: ماذا فعل هذا النائب من أجل الناس؟

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

النائب ليس «كرتونة» تحمل اسمًا

في المدارس، قد يحصل طالب على نتيجة نجاح وينتقل إلى الصف التالي، لكن النجاح الحقيقي يظهر عندما يستطيع أن يثبت أنه تعلم وفهم وأصبح قادرًا على تحمل مسؤولية المرحلة الجديدة.

والأمر في البرلمان ليس مختلفًا كثيرًا.

النائب حصل على ثقة، والثقة مسؤولية، والمقعد ليس وجاهة اجتماعية، ولا لافتة انتخابية، ولا صورة على مواقع التواصل الاجتماعي.

النائب الحقيقي هو الذي يسمع المواطن، ويتابع المشكلة، ويقدم طلب الإحاطة، ويستخدم أدواته الرقابية والتشريعية، ويشرح للناس ماذا فعل وماذا لم يستطع أن يفعل.

أما أن يختفي النائب بعد انتهاء الانتخابات، ثم يظهر عند المناسبات والصور والتهاني، فهنا يصبح من حق المواطن أن يسأل:

أين النائب؟

أسيوط لا تحتاج نوابًا للصور

أسيوط محافظة كبيرة، وأهلها لديهم مشكلات حقيقية في قطاعات متعددة.

هناك ملفات الخدمات، والطرق، والصحة، والتعليم، وفرص العمل، ومياه الشرب والصرف الصحي، والمواصلات، والقرى الأكثر احتياجًا، فضلًا عن ملفات الاستثمار والتنمية.

هذه الملفات لا تحتاج إلى منشورات دعائية.

تحتاج إلى نواب موجودين في الشارع، يعرفون تفاصيل دوائرهم، ويذهبون إلى المسؤول، ويعودون إلى المواطن بنتيجة واضحة.

ليس مطلوبًا من النائب أن يحل كل مشكلة بمفرده، فهذا غير منطقي.

لكن المطلوب منه أن يتحرك.

أن يقول للمواطن: طرحت مشكلتك.

أن يقول: تقدمت بطلب.

أن يقول: ناقشت الملف.

أن يقول: حصلت على رد من الجهة المختصة.

وإذا لم تتحقق النتيجة، فليشرح لماذا.

المواطن يستطيع أن يتقبل عدم حل المشكلة فورًا، لكنه لا يستطيع أن يتقبل غياب النائب عن المشكلة من الأساس.

«نجح في الانتخابات» ليست شهادة كفاءة

وهنا يجب أن نفرق بين الفوز الانتخابي والكفاءة البرلمانية.

الفوز يعني أن الاسم أصبح عضوًا في المجلس وفق النتائج والإجراءات الانتخابية.

لكن الأداء البرلماني هو الذي يصنع التاريخ.

قد يدخل شخص البرلمان لأول مرة، فيصبح من أكثر النواب نشاطًا وتأثيرًا.

وقد يدخل آخر وهو يمتلك خبرة سياسية كبيرة، لكنه لا يترك أثرًا يذكر.

لذلك لا يجب أن تكون كلمة «نائب» نهاية التقييم.

بل هي بداية التقييم.

فالناس التي أعطت صوتها لهذا النائب ستراقبه، والصحافة ستراقبه، والتاريخ سيحاسبه، والأهم أن أبناء دائرته سيعرفون في نهاية الدورة: هل كان هذا الرجل حاضرًا عندما احتاجه الناس أم لا؟

المواطن ليس «كرتونة انتخابية»

أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول المواطن من صاحب حق إلى مجرد رقم في كشف انتخابي.

أن يُطلب منه التصويت، ثم تنتهي العلاقة بمجرد إعلان النتيجة.

لا.

المواطن ليس «كرتونة» انتخابية.

وليس مجرد صوت يظهر وقت الانتخابات ثم يختفي.

المواطن هو صاحب الحق في السؤال، وصاحب الحق في معرفة ما يفعله ممثله تحت القبة.

ومن حقه أن يسأل النائب:

ماذا قدمت؟

كم مشكلة تابعت؟

ما القوانين التي شاركت في مناقشتها؟

ما الملفات التي طرحتها؟

ما الذي تغير على الأرض؟

وما الذي فشلت في تحقيقه؟

هذه ليست أسئلة عدائية.

هذه هي الممارسة الطبيعية للمحاسبة الشعبية.

لا نريد معارك شخصية

المقال هنا ليس دعوة للهجوم على أشخاص، ولا تصفية حسابات مع أحد.

بل العكس.

نحن نريد أن نضع معيارًا واضحًا للجميع:

النائب يُقاس بأدائه، لا بصورته.

بالملف الذي فتحه، لا بعدد اللافتات.

بالمشكلة التي تابعها، لا بعدد المؤتمرات.

بالمواطن الذي عاد إليه بحق، لا بعدد المنشورات التي نشرها.

وبما قدمه داخل البرلمان، لا بما قيل عنه قبل الانتخابات.

والأهم أن يكون التقييم للجميع دون استثناء.

فلا يجوز أن ننتقد نائبًا ونغض الطرف عن آخر لمجرد أنه قريب من هذا أو ذاك.

يا نواب أسيوط.. الناس تراقب

إلى نواب أسيوط:

المقعد الذي تجلسون عليه ليس ملكًا شخصيًا.

إنه مقعد يمثل ملايين المواطنين، وكل دقيقة تقضونها تحت قبة البرلمان هي جزء من مسؤولية حملتموها بإرادتكم.

لا تجعلوا المواطن يشعر أنكم تذكرتموه فقط في موسم الانتخابات.

كونوا في الشارع.

افتحوا أبوابكم.

استمعوا للشكاوى.

انزلوا إلى القرى.

تابعوا المشروعات.

اسألوا المسؤولين.

قدموا طلبات الإحاطة.

راقبوا أداء الحكومة.

واشرحوا للناس ما يحدث.

فالنائب الذي يعمل بجد لن يحتاج إلى الدفاع عن نفسه بكثرة الكلام؛ النتائج هي التي ستدافع عنه.

وفي النهاية.. الامتحان الحقيقي لم يبدأ بعد

الانتخابات انتهت، والنتائج أُعلنت، وأصبح الفائز نائبًا رسميًا.

لكن الامتحان الحقيقي لم ينتهِ.

بل بدأ الآن.

لأن النجاح الانتخابي قد يستمر خمس سنوات في الأوراق، لكن النجاح أمام الناس لا يستمر إلا بالعمل.

ومن هنا يجب أن تكون الرسالة واضحة:

لا نريد نوابًا ناجحين في الانتخابات فقط، بل نريد نوابًا ناجحين في خدمة أسيوط.

فالناس لا تحتاج إلى نائب يجيد الاحتفال بفوزه.

الناس تحتاج إلى نائب يجيد العمل.

ولا تحتاج إلى من يرفع صوته في الدعاية.

بل إلى من يرفع ملفاتها تحت قبة البرلمان.

وفي نهاية الدورة، لن يتذكر المواطن كثيرًا من كان صاحب أكبر لافتة، أو من كان الأكثر ظهورًا في الصور.

سيتذكر فقط:

من وقف بجانبه عندما احتاجه؟

وهنا فقط سيظهر الفرق بين من نجح في الانتخابات…

ومن نجح في تمثيل الناس.

أقرا أيضا

أحمد صادق يكتب | مصر.. الدولة التي لا تهتز أمام العواصف

أحمد صادق يكتب | مصر.. وطن لا يعرف الانكسار وأمنه مسؤولية الجميع


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى