أحمد صادق يكتب: النواب والكراتين.. بين شراء الأصوات وإهدار إرادة الشعب

محتويات
بقلم: أحمد صادق
مع اقتراب كل استحقاق انتخابي في مصر، يعود إلى السطح مشهد مؤسف اعتدنا رؤيته: كراتين الزيت والسكر والأرز التي توزع على الفقراء والمحتاجين في الشوارع والقرى، ليست لوجه الله، ولا عملاً خيرياً، بل كـ”ثمن بخس” لشراء صوت انتخابي يذهب إلى مرشح لا يملك من أدوات الإقناع سوى المال والسلع التموينية.
إنها صورة مشوهة للديمقراطية، ووصمة عار في جبين أي انتخابات يُفترض أنها نزيهة تعبر عن إرادة الشعب. فما قيمة البرلمان إذا كان يُبنى على رشاوى انتخابية، تُباع فيها الأصوات في سوق علني، ويُشترى الفقير بوجبة غذائية أو ورقة نقدية، بينما الوطن كله يدفع الثمن؟
الفقر.. بوابة الاستغلال السياسي
الحقيقة أن الظاهرة لا تنمو إلا في بيئة ينهشها الفقر. فحين يجد المواطن البسيط نفسه عاجزاً عن شراء احتياجات أسرته اليومية، يصبح صوته الانتخابي – للأسف – سلعة قابلة للبيع، وبدلاً من أن يختار بعقله من يضمن له حقوقه على المدى الطويل، يختار بجيبه من يسد رمقه ليوم أو يومين.
المحتاج حين يمد يده لكراتين المرشحين، لا يفعل ذلك عن اقتناع سياسي، وإنما عن عوز واضطرار. وهنا تتحول العملية الانتخابية من ممارسة ديمقراطية إلى صفقة تجارية، تُباع فيها الكرامة مقابل كيس أرز وزجاجة زيت.
شراء الأصوات.. خيانة للأمانة الوطنية
شراء الأصوات ليس مجرد مخالفة انتخابية، بل هو جريمة في حق الوطن كله. فالمرشح الذي يشتري الأصوات يثبت منذ البداية أنه لا يملك برنامجاً ولا رؤية، وأنه لا يسعى إلى خدمة الناس، وإنما إلى خدمة نفسه ومصالحه.
النائب الذي يدخل البرلمان بكراتين الزيت والسكر، سيعتبر المقعد استثماراً يجب أن يسترده أضعافاً مضاعفة. وبالتالي، لن يكون نائباً للشعب، بل تاجراً يبحث عن الربح، وسيفقد البرلمان قيمته كمنبر للتشريع والرقابة وخدمة المواطنين.
القانون والرشاوى الانتخابية
القوانين المصرية واضحة في تجريم شراء الأصوات. فالقانون رقم 45 لسنة 2014 بشأن مباشرة الحقوق السياسية ينص على أن:
“يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن 10 آلاف جنيه ولا تزيد على 100 ألف جنيه، كل من أعطى أو عرض أو التزم بأن يعطي ناخباً فائدة لنفسه أو لغيره ليحمله على الإدلاء بصوته على وجه معين أو الامتناع عنه.”
لكن على أرض الواقع، كثيراً ما يفلت مرتكبو هذه الجريمة من العقاب، إما بسبب ضعف الرقابة، أو لأن المحتاج الذي أخذ الكرتونة يخشى أن يبلغ عن المرشح، فيظل الصمت هو سيد الموقف.
إهانة للفقراء قبل أن تكون إهانة للوطن
المؤلم أن شراء الأصوات لا يهين العملية الانتخابية فقط، بل يهين الفقراء أنفسهم. فبدلاً من النظر إليهم كمواطنين أصحاب حق في التعليم والصحة والوظائف وحياة كريمة، يتم النظر إليهم كـ”رصيد انتخابي” يمكن السيطرة عليه عبر بضعة سلع غذائية.
هذا السلوك يرسخ ثقافة التبعية والذل، ويجعل المواطن البسيط يقتنع أن صوته لا يساوي إلا كرتونة أو ورقة نقدية، بينما الحقيقة أن صوته هو أثمن ما يملك، وهو سلاحه الوحيد لتغيير مستقبله ومستقبل أولاده.
آثار مدمرة على البرلمان والدولة
حين يدخل البرلمان نواب اشتروا مقاعدهم بالكراتين، تكون النتيجة مجلساً ضعيفاً عاجزاً عن ممارسة الرقابة أو الدفاع عن مصالح الشعب. هؤلاء النواب لا يعرفون معنى التشريع، ولا يملكون القدرة على مواجهة الحكومة أو طرح حلول للأزمات.
وعلى المدى الطويل، يفقد المواطن ثقته في البرلمان ككل، ويرى أنه مجرد ساحة لمصالح خاصة، فيزداد ابتعاده عن المشاركة السياسية. وهنا ينهار أحد أعمدة الدولة الديمقراطية.
مسئولية المجتمع قبل القانون
مكافحة شراء الأصوات لا تتوقف عند حدود القانون فقط، بل تحتاج إلى وعي شعبي. فالمجتمع هو الحصن الأول ضد هذه الجريمة. إذا رفض الناس الكراتين والرشاوى، فلن يجرؤ أي مرشح على استخدامها.
هنا يأتي دور:
المجتمع المدني في التوعية بحقوق الناخبين.
الإعلام في فضح هذه الممارسات.
الشباب في نشر ثقافة أن الصوت أمانة وليس سلعة.
رسالة إلى الفقراء والمحتاجين
أيها المواطن البسيط.. نعلم أن الظروف صعبة، وأنك قد تحتاج فعلاً إلى كرتونة أو مبلغ مالي لتسد به جوع أولادك. لكن تذكر أن من يشتري صوتك اليوم، لن يلتفت إليك غداً. سيعتبرك سلعة انتهت صلاحيتها بعد يوم التصويت.
كرامتك أغلى من أي كرتونة، وصوتك أثمن من أي ورقة نقدية. إذا اخترت بعقلك، قد تمنح أولادك مستقبلاً أفضل، أما إذا بعت صوتك، فلن تحصل إلا على يوم أو يومين من الطعام، بينما تضيع سنوات من عمرك في انتظار نائب لا يعرف عنك شيئاً.
كلمة أخيرة
الانتخابات هي لحظة فارقة في حياة أي شعب. هي فرصة لتجديد الدماء، واختيار من يستحق أن يكون صوت الأمة. لكن حين تتحول الانتخابات إلى بازار للكراتين والرشاوى، فإننا نفقد جوهر الديمقراطية ونقتل الأمل في التغيير.
المرشح الذي يشتري أصوات الناس لا يستحق أن يجلس على مقعد البرلمان. والمواطن الذي يبيع صوته، إنما يبيع مستقبله ومستقبل أولاده.
فلنجعل من هذه الانتخابات خطوة حقيقية نحو برلمان قوي، قائم على الكفاءة والنزاهة، لا على الأموال والكراتين.
ولنرفع جميعاً شعار:
صوتك مش للبيع.. صوتك لمستقبل بلدك.



