محافظات

مسجد سعد بك مكارم باسيوط القوصية حكاية وقف خيري يتجدد بعد قرن

أكثر من 20 مليون جنيه لتجديد مسجد سعد بك مكارم بالقوصية بأسيوط وإحياء إرث عمدة وهب أرضا لله وأوقف ممتلكاته للفقراء وحفظة القرآن

اسيوط نورهان حماده

منارة أوقفها عمدة لتبقى بعد رحيله.. مسجد سعد بك مكارم بالقوصية حكاية عطاء يمتد لأكثر من قرن

في حكاية تجمع بين عراقة التاريخ ووفاء الأجيال، عاد مسجد سعد بك مكارم بشارع الجلاء بمدينة القوصية في محافظة أسيوط إلى الواجهة بعد الانتهاء من أعمال التجديد الشامل، التي نُفذت بالجهود الذاتية وتبرعات أهلية تجاوزت 20 مليون جنيه، في مشهد يجسد تكاتف أبناء المدينة للحفاظ على أحد معالمها الدينية والتاريخية.

ولا يمثل تجديد المسجد مجرد تطوير لمبنى أو تحسين لمرافقه، بل يحمل دلالات أعمق ترتبط بسيرة سعد بك حسن مكارم، العمدة الأسبق للقوصية، الذي ترك إرثا من أعمال البر والخير، شمل التعليم والصحة ورعاية الفقراء وتحفيظ القرآن الكريم، إلى جانب تخصيص أراض وأملاك للوقف الخيري، وفقا للروايات والوثائق التاريخية المشار إليها في سيرته.

تبرعات تجاوزت 20 مليون جنيه لإحياء المسجد

جاء تجديد المسجد ثمرة جهود مجتمعية شارك فيها أبناء القوصية وأهل الخير، الذين أسهموا في توفير التمويل اللازم لاستكمال أعمال التطوير وإعادة المسجد إلى الصورة التي تليق بمكانته الدينية والتاريخية.

وتجاوزت التبرعات 20 مليون جنيه، في نموذج يعكس أهمية المشاركة الأهلية في صيانة دور العبادة والحفاظ على المعالم التي ارتبطت بذاكرة المدن وتاريخها.

كما برز دور الحث على التبرع والتعريف بقيمة المسجد التاريخية والدينية في تشجيع أهل الخير على المشاركة، لتتحول المبادرة إلى عمل جماعي يجمع بين عمارة بيوت الله وصون إرث الأجيال السابقة.

سعد بك مكارم.. من اليتم المبكر إلى عمودية القوصية

وُلد سعد بك حسن مكارم بمدينة القوصية عام 1874، وتلقى تعليمه في بلدته ثم في مدارس أسيوط، قبل أن تدفعه وفاة والده وهو في الرابعة عشرة من عمره إلى ترك الدراسة والتفرغ لشؤون أملاك الأسرة.

وتشير المعلومات الواردة في سيرته إلى أنه ورث نحو 30 فدانا، ثم تمكن من تنمية أملاك الأسرة حتى بلغت قرابة 120 فدانا قبل عام 1917.

وفي عام 1904 تولى عمودية القوصية، واستمر في منصبه حتى أواخر عام 1916، وحصل على رتبة البكوية من الدرجة الثالثة.

وقد تناول الصحفي فرج سليمان فؤاد جانبا من سيرته في كتاب «الكنز الثمين لعظماء المصريين»، الصادر عام 1917، والذي سلط الضوء على مكانته الاجتماعية وأعماله الخيرية وصفاته الشخصية.

التعليم والصحة في مقدمة أعماله الخيرية

لم يقتصر اهتمام سعد بك مكارم على إدارة شؤون المدينة وتنمية أملاك أسرته، بل امتد إلى دعم التعليم والخدمات الصحية والعمل الاجتماعي.

وتذكر الروايات المتعلقة بسيرته أنه أنشأ مكتبا تعليميا حمل اسمه، وأسهم في دعم الجمعيات الخيرية ومساعدة المحتاجين، كما اهتم بتعليم أبنائه، وأرسل اثنين منهم إلى إنجلترا لاستكمال دراستهما.

وامتد عطاؤه إلى القطاع الصحي، حيث تبرع بأرض لإقامة مستشفى للرمد، وزوده بأجهزة حديثة مستوردة من إنجلترا، وهي الأرض التي أصبحت لاحقا مقرا للمجلس المحلي لمركز ومدينة القوصية، وفقا للمعلومات الواردة في الرواية التاريخية.

ومن أبنائه مكارم سعد مكارم، المعروف باسم الحكيم باشا، الذي تولى منصب مدير صحة أسيوط، ليواصل أحد أبناء الأسرة مسيرتها في المجال الصحي.

وقف خيري يضمن استمرار العطاء

تعد الأوقاف الخيرية من أبرز المحطات في سيرة سعد بك مكارم، إذ لم يكتف بالتبرعات المباشرة، بل اتجه إلى تخصيص الأراضي لتوفير موارد مستدامة لأعمال البر والخير.

وبحسب المعلومات والوثائق المشار إليها في الرواية التاريخية، تبرع بالأرض المقام عليها المسجد، التي تزيد مساحتها على 600 متر مربع، كما أوقف عشرة أفدنة لتغطية نفقات صيانته وإدارته.

وتشير الرواية إلى أن حجة وقف رسمية صدرت عام 1924 تضمنت تخصيص 107 أفدنة لأوجه متعددة من البر، من بينها تحفيظ القرآن الكريم وتقديم إعانات شهرية لفقراء المسلمين في القوصية ومنفلوط، ليصل إجمالي الأراضي الموقوفة، وفقا لهذه المعلومات، إلى نحو 117 فدانا.

ويجسد هذا الوقف مفهوم استدامة الخير، من خلال تحويل الأراضي والعقارات إلى موارد يستمر نفعها بعد وفاة أصحابها، بما يخدم الفقراء وطلاب العلم وحفظة كتاب الله.

إرث عائلي امتد إلى خدمة الوطن

لم يتوقف إرث عائلة مكارم عند العمل الخيري والتعليم والصحة، بل امتد إلى مجالات أخرى، من بينها التضحية من أجل الوطن.

ومن أبرز الأسماء المرتبطة بالعائلة الشهيد محمد علي مكارم، ابن الحكيم باشا، الذي ارتبط اسمه ببطولات العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وتناقلت الروايات المرتبطة بسيرته تفاصيل مشاركته في معارك العريش.

كما برز من أبناء العائلة المهندس مصطفى سعد، الذي تشير المعلومات الواردة في سيرته إلى أنه كان من أوائل الحاصلين على بكالوريوس الهندسة في مصر عام 1924، إلى جانب الدكتور صلاح مصطفى، الذي تولى رئاسة مصلحة الطب الشرعي.

وتعكس هذه المسيرة تنوع مجالات العطاء داخل العائلة، بين خدمة المجتمع والاهتمام بالعلم والعمل في المجالات المهنية والوطنية.

القوصية.. مدينة تحفظ ذاكرة أبنائها

تتمتع مدينة القوصية بمحافظة أسيوط بتاريخ عريق، وترتبط بمحيط غني بالمعالم التاريخية والدينية، من بينها مقابر مير الأثرية ودير المحرق.

وفي هذا السياق، يحتفظ مسجد سعد بك مكارم بمكانته باعتباره معلما دينيا ارتبط بتاريخ المدينة وسيرة أحد رموز العمل الخيري فيها.

وتعيد أعمال التجديد تسليط الضوء على أهمية الحفاظ على المساجد التاريخية والأوقاف القديمة، ليس باعتبارها مباني فقط، وإنما باعتبارها جزءا من الذاكرة المجتمعية وشاهدا على أنماط العطاء والتكافل التي أسهمت في تشكيل تاريخ المدن المصرية.

تجديد المسجد.. فصل جديد في حكاية العطاء

تمثل إعادة افتتاح مسجد سعد بك مكارم بعد تجديده بتبرعات تجاوزت 20 مليون جنيه امتدادا لحكاية بدأت قبل أكثر من قرن، حين خصص صاحبه أرضا وموارد لخدمة بيوت الله وأعمال البر.

وبين الوقف الذي أسسه سعد بك مكارم وجهود أبناء القوصية في تجديد المسجد، تتجدد رسالة مفادها أن الحفاظ على التراث الديني مسؤولية مشتركة، وأن العمل الأهلي يستطيع أن يسهم في صيانة المعالم التاريخية وإبقاء رسالتها حاضرة في حياة الأجيال الجديدة.

لقد رحل صاحب الوقف، لكن المسجد ظل شاهدا على أثره، وجاء التجديد ليمنح هذا المعلم فصلا جديدا من العناية والاهتمام، مؤكدا أن قيمة الإنسان لا ترتبط بما يتركه من أموال وممتلكات فحسب، بل بما يظل من أثر نافع في حياة الناس بعد رحيله.

اقرا ايضا:

محافظ الوادي الجديد تتابع إنشاء مدرسة الناضورة بالخارجة بتكلفة 20.2 مليون جنيه

محافظ الوادي الجديد تتفقد أول حضانة دولية في الخارجة

فصل طالب إعدادي عامًا دراسيًا بسبب الإساءة لمعلمته بسوهاج

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى