أحمد صادق يكتب.. حين يصبح الخبر حلما ..غــ زة تجوع واعالم يتفرج ..في قلب غــ زة: الجوع يطرق أبواب الكرامة

محتويات
بقلم أحمد صادق
في غزة، تلك البقعة التي تسكنها البطولة رغم الألم، لم يعد الحصار مجرد عنوان سياسي أو خبر عاجل في شريط الأخبار، بل أصبح وجعًا يوميًا يتسلل إلى بطون الصغار وقلوب الكبار. في قلب غزة اليوم، الجوع يطرق أبواب الكرامة بشراسة غير مسبوقة، ليكشف عورة العالم المتحضر وصمته القاتل.
غزة المحاصرة.. المدينة التي تأكلها الحرب والحصار
منذ أكثر من 18 عامًا، وقطاع غزة يعيش تحت حصار خانق حرم أكثر من مليوني إنسان من أبسط مقومات الحياة. في ظل هذا الحصار المزدوج، القادم من الاحتلال من جهة والانقسام الفلسطيني من جهة أخرى، لم تعد غزة مدينة قابلة للحياة بمعناها البسيط، بل تحولت إلى سجن مفتوح بلا أبواب ولا نوافذ.



غــ زة تجوع واعالم يتفرج
ويأتي العدوان الأخير الذي استمر شهورًا وحول الأحياء إلى أنقاض والبيوت إلى مقابر جماعية، ليضيف إلى قائمة المعاناة معاناة جديدة. تدمير المزارع، انهيار الاقتصاد، وتوقف سلاسل الإمداد الغذائية كلها عوامل جعلت من الحصول على وجبة طعام أمرًا أقرب إلى المعجزة في غزة اليوم.
طوابير الطعام المجاني.. مشهد يوجع القلب
قبل أيام انتشرت صور ومقاطع فيديو مؤلمة لمواطنين من غزة وهم يصطفون أمام تكية خيرية أملاً في وجبة طعام تسد الجوع. مشهد الطوابير الطويلة التي تتخللها نظرات الأطفال الجياع والنساء اللاتي أخفتهن الحشمة خلف وجع الحاجة، كان كافيًا ليكشف هشاشة الإنسانية في عالم يرفع شعارات فارغة عن حقوق الإنسان والكرامة.

في غزة اليوم، كرامة الإنسان مهددة على موائد الصدقات، حيث أصبحت التكايا الخيرية الملاذ الأخير للكثير من العائلات التي فقدت منازلها ومصادر رزقها تحت الأنقاض. المشهد لا يحتاج إلى الكثير من الشرح: بطون خاوية، أطفال يبحثون عن كسرة خبز، وأمهات يحلمن بوجبة ساخنة تنسي أسرهن مرارة الأيام.
غزة بين المطرقة والسندان
المعاناة في غزة ليست مجرد أزمة إنسانية عابرة، بل هي نتاج سياسة ممنهجة يقودها الاحتلال الإسرائيلي عبر إغلاق المعابر، منع دخول الغذاء والدواء، وقصف المنشآت الحيوية. ومع الحروب المتكررة، أصبح الحصار أكثر قسوة، حيث تم تدمير آلاف المصانع، والمزارع، والبيوت الزجاجية التي كانت تمثل متنفسًا غذائيًا للقطاع.

من جهة أخرى، يزيد الانقسام الفلسطيني من تعقيد المشهد. فالمناكفات السياسية أكلت ما تبقى من روح التضامن الداخلي، وغزة باتت وحدها تقاوم الجوع والحصار بقليل من الصبر وكثير من الألم.
ماذا يعني أن تجوع في غزة؟
أن تجوع في غزة ليس مجرد افتقاد للطعام. الجوع هنا مرادف لفقدان الأمل، وانكسار الكرامة. الجوع في غزة هو حرمان طفل من كوب حليب، وأم من وجبة تسد بها رمق أسرتها، وكهل من دواء يعينه على مقاومة الأمراض التي تفشت مع تلوث المياه ونقص الرعاية الصحية.
التقارير الدولية
تشير التقارير الدولية إلى أن أكثر من 80% من سكان قطاع غزة يعيشون تحت خط الفقر، بينما يعاني أكثر من نصف السكان من انعدام الأمن الغذائي. بل وتقول منظمات إنسانية إن بعض العائلات تعيش على وجبة واحدة بالكاد في اليوم، وفي بعض الأحيان تكون عبارة عن خبز وزيت فقط!
العالم يخذل غزة.. متى يستيقظ الضمير الإنساني؟
رغم المناشدات المتكررة من الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، يظل المجتمع الدولي عاجزًا أمام معاناة غزة. وكأن هناك اتفاقًا ضمنيًا على ترك غزة تموت ببطء، بلا قصف ولا صواريخ، بل بالجوع والمرض والخذلان.
قوافل المساعدات
حتى قوافل المساعدات تواجه عراقيل الاحتلال الذي يتحكم في المعابر، وحجم ما يصل إلى القطاع لا يكفي لسد رمق الجياع أو ترميم ما دمرته آلة الحرب.

الأسوأ أن صمت الدول العربية والإسلامية يكاد يكون مخزيًا أمام جراح غزة، فالدعم السياسي والمالي بات شحيحًا، وأصبح الحديث عن غزة مجرد مادة موسمية في المؤتمرات والقمم التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
الجوع لا يُهزم بالدعاء فقط
الدعاء وحده لا يكفي. الجوع في غزة يحتاج إلى موقف حقيقي وجاد، يبدأ بكسر الحصار وفتح المعابر، ويشمل أيضًا دعم مشاريع التنمية المستدامة التي تعيد للقطاع القدرة على الاعتماد على نفسه.
إنقاذ غزة من الجوع لا يجب أن يكون مرتبطًا فقط بالقوافل الموسمية، بل يتطلب إستراتيجية شاملة لدعم الزراعة، الصناعة، وخلق بيئة اقتصادية قادرة على توفير الغذاء والعمل لأهل القطاع.
غزة تستحق الحياة.. لا الشفقة
غزة لا تحتاج إلى شفقة العالم، بل إلى حقها الطبيعي في الحياة والكرامة. غزة تحتاج إلى عدالة سياسية توقف الحصار وتكسر الاحتلال، وتعيد لأبنائها الحق في الأمل والحلم بالمستقبل.
في غزة، ما زال هناك أمهات يحلمن بإفطار دافئ لأبنائهن، وشباب يتطلعون إلى فرصة عمل تقيهم ذل السؤال. هناك من يبني مدارس في العراء، ومن يزرع حبات القمح بين الركام، ومن يُعَلِمُ الأطفال أن الجوع لا يقتل الإرادة.
رسالة من غزة إلى العالم
رسالة غزة إلى العالم واضحة:
“نحن لا نحتاج إلى دموعكم، بل إلى أفعالكم.. لا نحتاج إلى كلماتكم الرنانة، بل إلى كسر الحصار.. نحن نحتاج إلى أن نعيش بكرامة، لا أن ننتظر وجبة طعام على باب تكية”.
في الختام:
بينما يستمر الحصار، تظل غزة صامدة رغم الجوع، تقاوم بكل ما فيها من حب للحياة. لكن هل يستمر العالم في تجاهل أكبر سجن مفتوح في التاريخ الحديث؟ وهل تظل كرامة الإنسان في غزة مجرد خبر عابر؟
ربما حان الوقت ليعلم الجميع أن الجوع في غزة هو عار في جبين الإنسانية جمعاء، وأن أول خطوة للإنقاذ هي رفع الحصار ووقف الظلم، لأن شعب غزة لا يستحق سوى الحياة.. والحياة فقط.



